قال الله تعالى

 {  إِنَّ اللَّــهَ لا يُغَيِّــرُ مَـا بِقَــوْمٍ حَتَّــى يُـغَيِّـــرُوا مَــا بِــأَنْــفُسِــــهِـمْ  }

سورة  الرعد  .  الآيـة   :   11

ahlaa

" ليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، و إنما المهم أن نرد إلي هذه العقيدة فاعليتها و قوتها الإيجابية و تأثيرها الإجتماعي و في كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم علي وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده و نملأ به نفسه، بإعتباره مصدرا للطاقة. "
-  المفكر الجزائري المسلم الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله  -

image-home

لنكتب أحرفا من النور،quot لنستخرج كنوزا من المعرفة و الإبداع و العلم و الأفكار

الأديبــــة عفــــاف عنيبـــة

السيـــرة الذاتيـــةالسيـــرة الذاتيـــة

أخبـــار ونشـــاطـــاتأخبـــار ونشـــاطـــات 

اصــــدارات الكـــــاتبــةاصــــدارات الكـــــاتبــة

تـــواصـــل معنــــــاتـــواصـــل معنــــــا


تابعنا على شبـكات التواصـل الاجتماعيـة

 twitterlinkedinflickrfacebook   googleplus  


إبحـث في الموقـع ...

  1. أحدث التعليــقات
  2. الأكثــر تعليقا

ألبــــوم الصــــور

c7045728fc2af67529b1e07212b0a178

مواقــع مفيـــدة

rasoulallahbinbadisassalacerhso  wefaqdev iktab
الأحد, 29 آب/أغسطس 2021 09:26

{ و في الأرض آيات للموقنين }

كتبه  الدكتور زغلول النجار
قيم الموضوع
(0 أصوات)
{ و في الأرض آيات للموقنين }

يستهل ربنا‏ تبارك و تعالى‏ سورة الذاريات بقسمِ منه -و هو سبحانه الغني عن القسم- و جاء القسم بعدد من آياته الكونية على أنَّ وعده لعباده وعدٌ صادق‏,‏ و أن دينه الذي أنزله على فترة من الرسل‏,‏ و الذي أتمه في بعثة النبي و الرسول الخاتم‏‏ صلى الله عليه و سلم‏‏ و الذي سماه الإسلام‏,‏ و الذي لا يرتضي من عباده ديناً سواه لهو حقٌ واقعٌ لاشك فيه‏.‏

ثم عاود ربنا‏ تبارك اسمه‏‏ القسم مرة أخرى بالسماء ذات الحبك، على أن الناس مختلفون في أمر يوم الدين بين مكذب و مصدق‏,‏ و أن المكذبين الذين شغلتهم الحياة الدنيا عن التفكير في مصيرهم بعد الموت يُصرفون عن حقيقة هذا اليوم الرهيب‏,‏ ثم تعرض الآيات مصير كل من المكذبين و المصدقين بالآخرة‏,‏ كما تعرض عدداً من صفات كل من الفريقين‏,‏ ثم تعاود السورة في سياقها الاستدلال بعدد من الآيات الكونية الأخرى في الأرض و في الأنفس و في الآفاق، على أن وحي الله‏ تعالى‏ إلى عباده في القرآن الكريم حقٌ مطلقٌ يجب على الناس تصديقه كما يصدقون ما ينطقون هم أنفسهم به‏...!!!‏

و من هذه الآيات الكونية التي استشهد بها الحق تبارك و تعالى‏ على صدق وحيه في آخر رسالاته و كتبه، قوله و هو أصدق القائلين:‏ { وَ فِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ } فما هي آيات الله في الأرض الدالة على طلاقة قدرته‏,‏ و عظيم حكمته‏,‏ و إحاطة سلطانه و علمه؟ ما هذه الآيات التي استشهد بها‏ سبحانه و تعالى و هو الغني عن كل شهادة على صدق وحيه الذي أنزله على خاتم أنبيائه و رسله؟ هذا الوحي الذي تعهد‏ سبحانه‏ بحفظه فحُفِظَ على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد بنفس اللغة التي أوحِيَ بها‏(‏اللغة العربية‏),‏ سورةً سورة‏,‏ و آيةً آية‏,‏ و كلمةً كلمة‏,‏ و حرفاً حرفا‏,‏ دون أدنى زيادة أو نقصان‏. و هذا وحده من أعظم الشهادات على صدق القرآن الكريم و إعجازه‏,‏ و على أنه كلام الله الخالق‏,‏ و على صدق الصادق الأمين الذي تلقّاه عن ربه‏,‏ و على صدق نبوَّته و رسالته‏ صلى الله و سلم و بارك عليه و على آله و صحبه و على من تَبِع هداه و دعا بدعوته إلى يوم الدين.

الدلالة اللغوية لألفاظ الآية الكريمة ﴿‏الأَرْضِ﴾ في اللغة العر بية اسم جنس للكوكب الذي نحيا عليه‏,‏ تمييزاً له عن بقية الكون‏,‏ و الذي يجمع تحت اسم السماوات أو السماء‏,‏ و لفظة ‏﴿‏الأَرْضِ﴾‏ مؤنثة‏,‏ والأصل أن يقال لها‏ (‏أرضة‏)‏ و الجمع ‏(أرضات‏)‏ و ‏(‏أرضون‏)‏ بفتح الراء أو بتسكينها‏,‏ و قد تُجمع على‏(أروض‏)‏ و‏(آراض‏),‏ و لفظة‏ (الأراضي‏)‏ تستخدم على غير قياس‏. و يعبر‏(‏بالأرض‏)‏ عن أسفل الشيء‏,‏ كما يعبر بالسماء عن أعلاه‏,‏ فكل ما سَفُلَ فهو‏(‏أرض‏),‏ و كل ما علا فهو سماء‏,‏ و يقال‏: (أرض أريضة)‏ أي حسنة النبت‏,‏ زكية بيِّنة الزكاء أو‏(الأراضة‏),‏ كما يقال‏:( تأرض‏)‏ النبت بمعنى تمكن على الأرض فكثر‏,‏ و‏(‏تأرض‏)‏ الجدي إذا تناول نبت ‏(‏الأرض‏),‏ و يقال أيضاً‏: (‏الأرض النفضة‏)‏ و‏(الأرض الرعدة‏)‏ أي التي تنتفض و ترتعد أثناء حدوث الهزات الأرضية و الثورانات البركانية‏. و‏(الأَرَضَة‏)‏ بفتحتين: دودة‏(دويبة‏)‏ تأكل الخشب‏,‏ يقال‏:(‏أَرَضَت‏)‏ الأخشاب‏(‏تُؤْرَض‏)(أرضاً‏)‏ فهي‏ (مأروضة)‏ إذا أكلتها‏(الأَرَضَة‏),‏ و لم تسمِّ العرب فاعلاً لهذا الفعل. الأرض في القرآن الكريم جاء ذكر الأرض في أربعمائة و واحد و ستين ‏(461)‏ موضعاً من كتاب الله‏,‏ منها ما يشير إلى الأرض ككل في مقابلة السماء‏,‏ و منها ما يشير إلى اليابسة التي نحيا عليها كلها‏,‏ أو إلى جزء منها‏, (و اليابسة هي جزء من الغلاف الصخري للأرض، و هي كتل القارات السبع المعروفة و الجزر المحيطية العديدة‏),‏ و منها ما يشير إلى التربة التي تغطي صخور الغلاف الصخري للأرض‏.‏

و في هذه الآيات إشاراتٌ إلى العديد من الحقائق العلمية عن الأرض، و التي يمكن تبويبها بإيجازٍ على النحو التالي‏:‏ ‏(1)‏ آياتٌ تأمر الإنسان بالسَّير في الأرض‏,‏ و النظر في كيفية بدء الخلق‏,‏ و هي أساس المنهجية العلمية في دراسة علوم الأرض. ‏(2)‏ آياتٌ تشير إلى شكل و حركات و أصل الأرض‏,‏ منها ما يصف كروية الأرض‏,‏ و منها ما يشير إلى دورانها‏,‏ و منها ما يؤكد على عِظَمِ مواقع النجوم منها‏,‏ أو على حقيقة اتساع الكون و‏(‏الأرض جزء منه‏),‏ أو على بدء الكون بجرم واحد ‏(‏مرحلة الرتق‏),‏ ثم انفجار ذلك الجرم الأول ‏(مرحلة الفتق‏),‏ أو على بدء خلق كل من الأرض و السماء من دخان‏,‏ أو على انتشار المادة بين السماء و الأرض‏ (المادة بين الكواكب و بين النجوم و بين المجرات‏),‏ أو على تطابق كل من السماوات و الأرض ‏(أي تطابق الكون‏). ‏(3)‏ آيةٌ قرآنيةٌ واحدةٌ تؤكد أن كل الحديد في كوكبنا الأرض قد أنزل إليها من السماء إنزالاً حقيقياً‏. ‏(4)‏ آيةٌ قرآنيةٌ تؤكد حقيقة أن الأرض ذات صدع‏,‏ و هي من الصفات الأساسية لكوكبنا‏. ‏(5)‏ آياتٌ قرآنيةٌ تتحدث عن عددٍ من الظواهر البحرية المهمة، من مثل ظلمات البحار و المحيطات‏ (‏و دور الأمواج الداخلية و السطحية في تكوينها‏),‏ وتسجير بعض هذه القيعان بحرارة عالية‏,‏ و تمايز المياه فيها إلى كتل متجاورة لا تختلط اختلاطاً كاملاً,‏ نظراً لوجود حواجز أفقية و رأسية غير مرئية تفصل بينها‏,‏ و يتأكد هذا الفصل بين الكتل المائية بصورة أوضح في حالة التقاء كل من المياه العذبة و المالحة عند مصاب الأنهار‏,‏ مع وجوده بين مياه البحر الواحد أو بين مياه البحار المتصلة ببعضها البعض. ‏

(6)‏ آياتٌ قرآنيةٌ تتحدث عن الجبال‏,‏ منها ما يصفها بأنها أوتاد‏,‏ و بذلك يصف كلاً من الشكل الخارجي‏ (الذي على ضخامته يمثل الجزء الأصغر من الجبل‏)‏ و الامتداد الداخلي ‏(‏الذي يشكل غالبية جسم الجبل‏),‏ كما يصف وظيفته الأساسية في تثبيت الغلاف الصخري للأرض‏,‏ و في اتزان دورانها حول محورها‏,‏ و تتأكد هذه الوظيفة في اثنتين و عشرين آية أخرى‏ وردت بها. كذلك إشارات إلى عدد من الوظائف و الصفات الإضافية للجبال من مثل دورانها مع الأرض‏,‏ أو تكوينها من صخور متباينة في الألوان والأشكال و الهيئة.‏ أو دورها في إنزال المطر‏,‏ و تغذية الأنهار‏,‏ و شق الأودية و الفجاج أو في جريان السيول. ‏(7)‏ آياتٌ قرآنيةٌ تشير إلى نشأة كل من الغلافين المائي و الهوائي للأرض‏,‏ و ذلك بإخراج مكوناتهما من باطن الأرض‏,‏ أو تصف الطبيعة الرجعية لغلافها الغازي‏,‏ أو تؤكد حقيقة ظلام الفضاء الكوني الخارجي‏,‏ أو على تناقص الضغط الجوي مع الارتفاع عن سطح الأرض‏,‏ أو على تبادل الليل والنهار‏,‏ و على رقة طبقة النهار حول نصف الأرض المواجهة للشمس‏,‏ أو على أن ليل الأرض كان في بدء خلقها مضاء كنهارها‏,‏ ثم محو ضوئه‏.‏ ‏(8)‏ آياتٌ تشير إلى رقة الغلاف الصخري للأرض‏,‏ و إلى تسوية سطحه و تمهيده و شق الفجاج و السبل فيه‏,‏ و إلى تناقص الأرض من أطرافها‏.‏ ‏(9)‏ آياتٌ تؤكد إسكان ماء المطر في الأرض مما يشير إلى دورة المياه حول الأرض و في داخل صخورها‏,‏ أو تؤكد علاقة الحياة بالماء‏,‏ أو تلمح إلى إمكانية تصنيف الكائنات الحية‏.‏ ‏(10)‏ آياتٌ تؤكد أن عملية الخلق قد تمت على مراحل متعاقبة عبر فترات زمنية طويلة. ‏(11)‏ آياتٌ قرآنيةٌ تصف نهاية كل من الأرض و السماوات و ما فيهما‏(‏أي الكون كله‏)‏ بعملية معاكسة لعملية الخلق الأول كما تصف إعادة خلقهما من جديد‏,‏ أرضاً غير الأرض الحالية و سماوات غير السماوات القائمة‏.‏

هذه الحقائق العلمية لم تكن معروفة للإنسان قبل هذا القرن‏,‏ بل إن الكثير منها لم يتوصل الإنسان إليه إلا في العقود القليلة المتأخرة منه، عبر جهودٍ مضنيةٍ‏,‏ و تحليلٍ دقيقٍ لكمٍ هائلٍ من الملاحظات و التجارب العلمية في مختلف جنبات الجزء المُدْرَكِ من الكون‏,‏ و أن السبق القرآني في الإشارة إلى مثل هذه الحقائق بأسلوب يبلغ منتهى الدقة العلمية و اللغوية في التعبير‏,‏ و الإحاطة و الشمول في الدلالة ليؤكد جانباً مهماً من جوانب الإعجاز في كتاب الله‏,‏ و هو جانب الإعجاز العلمي‏,‏ و مع تسليمنا بأن القرآن الكريم معجز في كل أمر من أموره‏,‏ إلا أن الإعجاز العلمي يبقى من أنجح أساليب الدعوة إلى الله في عصر العلم و التقنية الذي نعيشه‏.‏ و من هنا تتضح أهمية القرآن الكريم في هداية البشرية في زمن هي أحوج ما تكون إلى الهداية الربانية‏.‏ كما تتضح أهمية دراسات الإعجاز العلمي في كتاب الله مهما تعددت تلك المجالات العلمية‏,‏ و ذلك لأن ثبات صدق الإشارات القرآنية في القضايا الكونية من مثل إشاراته إلى عدد من حقائق علوم الأرض‏,‏ و هي من الأمور المادية الملموسة التي يمكن للعلماء التجريبيين إثباتها لأدعي إلى التسليم بحقائق القرآن الأخرى خاصة ما يرد منها في مجال القضايا الغيبية و السلوكية‏ (من مثل قضايا العقيدة و العبادة و الأخلاق و المعاملات‏)‏ و التي تمثل ركائز الدين‏,‏ و لا سبيل للإنسان في الوصول إلى قواعد سليمة لها و إلى ضوابط صحيحة فيها، إلا عن طريق بيان رباني خالص لا يداخله أدنى قدر من التصوُّر البشري‏.‏ من آيات الله في خلق الأرض و جعْلها صالحة للعمران الأرض هي أحد أفراد المجموعة الشمسية التي تتكون من تسعة كواكب‏ أساسية‏,‏ يدور كل منها حول نفسه‏,‏ و يجري في مدار محدد له حول الشمس‏,‏ و هناك مدار للكويكبات بين كل من كوكبي المريخ و المشترى يعتقد أنها بقايا لكوكب عاشر قد انفجر‏,‏ و هناك احتمال بوجود كوكب حادي عشر لم يتم كشفه أو رصده بعد‏,‏ و لكن تم التوقع بوجوده بواسطة الحسابات الفلكية‏.‏ و كواكب المجموعة الشمسية المعروفة لنا هي من الداخل إلى الخارج على النحو التالي‏:‏ عطارد‏,‏ الزهرة‏,‏ الأرض‏,‏ المريخ‏,‏ الكويكبات‏,‏ المشترى‏,‏ زحل‏,‏ يورانوس‏,‏ نبتيون‏,‏ بلوتو‏,‏ بروسوبينا‏(‏ أوبريينا‏).‏ و هناك بعد ذلك نطق المذنبات التي تدور حول الشمس في مدارات مغلقة أو مفتوحة على مسافات بعيدة جداً و تعتبر جزءاً من المجموعة الشمسية‏.‏ و يقدَّر متوسط المسافة بين الشمس و أقرب كواكبها‏(‏عطارد‏)‏ بحوإلى ‏58‏ مليون كيلو متر ‏(بين‏46‏ مليون‏,69‏ مليون كيلو متر‏),‏ و يقدر متوسط المسافة بين الأرض و الشمس بحوإلى‏ 150‏ مليون كيلو متر‏,‏ و يبعد بلوتو عن الشمس بمسافة تقدر في المتوسط بحوإلى ‏6000‏ مليون كيلو متر‏,‏ و يقدر متوسط بعد الكوكب المقترح بروسوبينا بحوإلى ضعف هذه المسافة ‏(12‏ بليون كيلو متر‏),‏ و يبعد نطاق المذنبات عن الشمس عشرات أضعاف المسافة الأخيرة‏.‏ و على ذلك فالأرض هي ثالثة الكواكب بعداً عن الشمس‏,‏ و هي تجري حول الشمس في فلك بيضاني‏ (‏إهليلجي‏)‏ قليل الاستطالة بسرعة تقدر بحوالي‏30‏ كيلو متر في الثانية ‏(29,6‏ كيلو مترا في الثانية‏)‏ لتتم دورتها هذه في سنة شمسية مقدارها‏365,25‏ يوم تقريباً,‏ و تدور حول نفسها بسرعة مقدارها حوالي‏30‏ كيلو مترا في الدقيقة (27,8‏ كيلو متر في الدقيقة‏)‏ عند خط الاستواء فتتم دورتها هذه في يوم مقداره ‏24‏ ساعة تقريباً‏,‏ يتقاسمه ليل و نهار‏,‏ بتفاوت يزيد وينقص حسب الفصول‏,‏ التي تنتج بسبب ميل محور دوران الأرض على دائرة البروج بزاوية مقدارها ست و ستون درجة ونصف تقريباً,‏ و يعزى للسبب نفسه تتابع الدورات الزراعية‏,‏ و هبوب الرياح‏,‏ وهطول الأمطار‏,‏ و فيضان الأنهار بإذن الله‏.‏ و الأرض كوكب فريد في كل صفة من صفاته‏,‏ مما أهَّله بجدارة أن يكون مهداً للحياة الأرضية بكل مواصفاتها‏,‏ و لعل هذا التأهيل هو أحد مقاصد الآية القرآنية الكريمة التي يقول فيها الحق‏ تبارك وتعالى { وَ فِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ } و لعل من أوضح هذه الآيات البينات ما يلي‏:‏ أولاً:‏ بعد الأرض عن الشمس‏ يقدر متوسط المسافة بين الأرض و الشمس بحوالي مائة و خمسين مليوناً من الكيلومترات‏,‏ و قد استخدمت هذه المسافة كوحدة فلكية للقياس في فسحة الكون‏,‏ و لما كانت كمية الطاقة التي تصل من الشمس إلى كل كوكب في مجموعتها تتناسب تناسباً عكسياً مع بعد الكوكب عن الشمس‏,‏ و كذلك تتناسب سرعة جريه في مداره حولها‏,‏ بينما يتناسب طول سنة الكوكب تناسباً طردياً مع بعده عنها ‏(و سنة الكوكب هي المدة التي يستغرقها في إتمام دورة كاملة حول الشمس‏),‏ اتضحت لنا الحكمة البالغة من تحديد بعد الأرض عن الشمس‏,‏ فقد قُدِّرت الطاقة التي تشعها الشمس من كل سنتيمتر مربع على سطحها بحوالي عشرة أحصنة ميكانيكية‏,‏ و لا يصل الأرض سوى جزء واحد من بليوني جزء من هذه الطاقة الهائلة‏,‏ و هو القدر المناسب لنوعية الحياة الأرضية‏,‏ و لتنشيط القوى الخارجية التي تعمل على تسوية سطح الأرض‏,‏ وتكوين التربة‏,‏ وتحريك دورة المياه حول الأرض‏,‏ وغير ذلك من الأنشطة الأرضية‏.‏

و لطاقة الشمس الإشعاعية صور عديدة أهمها‏:‏ الضوء الأبيض‏,‏ و الحرارة‏(الأشعة تحت الحمراء‏),‏ و الأشعة السينية‏,‏ و الأشعة فوق البنفسجية‏,‏ و نسب هذه المكونات للطاقة الشمسية ثابتة فيما بينها‏,‏ و إن اختلفت كمية الإشعاع الساقط على أجزاء الأرض المختلفة بإختلاف كل من الزمان و المكان‏.‏ و حزمة الضوء الأبيض تتكون من الأطياف السبعة‏(‏الأحمر‏,‏ و البرتقالي‏,‏ و الأصفر‏,‏ و الأخضر‏,‏ و الأزرق‏,‏ و النيلي‏,‏ و البنفسجي‏)‏ و تقدر نسبتها في الأشعة الشمسية التي تصل إلى الأرض بحوالي 38%,‏ و لها أهمية بالغة في حياة كل من النبات و الحيوان و الإنسان‏,‏ و تبلغ أقصى مدى عند منتصف النهار عموماً,‏ و عند منتصف نهار الصيف خصوصاً‏,‏ لأن قوة إنارة أشعة الشمس لسطح الأرض تبلغ في الصيف ضعفي ما تبلغه في الشتاء‏.‏ أما الأشعة تحت الحمراء فتقدر نسبتها في أشعة الشمس التي تصل إلى الأرض بحوالي 53%,‏ و لها دورها المهم في تدفئة الأرض و ما عليها من صور الحياة‏,‏ و في كافة العمليات الكيميائية التي تتم على سطح الأرض و في غلافها الجوي‏,‏ الذي يرُُدُّعنا قدراً هائلاً من حرارة الشمس‏,‏ فكثافة الإشعاع الشمسي و التي تقدر بحوالي ‏2‏ سعر حراري على كل سنتيمتر مربع من جو الأرض في المتوسط، يتشتت جزء منها بواسطة جزيئات الهواء‏,‏ و قطرات الماء‏,‏ و هباءات الغبار السابحة في جو الأرض‏,‏ و يمتص جزء آخر بواسطة كل من غاز الأوزون و بخار الماء‏,‏ و متوسط درجة الحرارة على سطح الأرض يقدر بحوالي عشرين درجة مئوية و إن تراوحت بين حوالي‏74‏ درجة مئوية تحت الصفر في المناطق القطبية المتجمدة و ‏55‏ درجة مئوية في الظل في أشد المناطق و الأيام قيظاً‏.‏

أما الأشعة فوق البنفسجية فتقدر نسبتها بحوالي9%‏ من مجموع أشعة الشمس التي تصل إلى الأرض؛ و ذلك لأن غالبيتها تمتص أو ترد بفعل كل من النطاق المتأين و نطاق الأوزون الذي جعلهما ربنا‏ -تبارك و تعالى‏-‏ من نطق الحماية للحياة على الأرض‏,‏ و يقدر ما يصل إلى الأرض من طاقة الشمس بحوالي ثلاثة عشر مليون حصاناً ميكانيكياً على كل كيلومترٍ مربعٍ من سطح الأرض في كل ثانية، و تقدر قيمته ببلايين الدولارات مما لا قبل للبشرية كلها بتحمله أو وفاء شكر الله عليه‏...!!!‏ و لو كانت الأرض أقرب قليلاً إلى الشمس لكانت كمية الطاقة التي تصلها كافية لإحراق كافة صور الحياة على سطحها‏,‏ و لتبخير مياهها‏,‏ و لخلخلة غلافها الغازي‏.‏ فكوكب عطارد الذي يقع على مسافة تقدر بحوإلى‏0.39‏ من بعد الأرض عن الشمس تتراوح درجة حرارة سطحه بين‏220‏ درجة مئوية في وجهه المضيء و‏27‏ درجة مئوية في وجهه المظلم‏,‏ و كوكب الزهرة الذي يقع على مسافة تقدر بحوالي‏0.72‏ من بعد الأرض عن الشمس تصل درجة الحرارة على سطحه إلى‏457‏ درجة مئوية‏(730‏ درجة مطلقة‏).‏ و على النقيض من ذلك فإن الكواكب الخارجة عن الأرض‏(‏المريخ‏,‏ المشتري‏,‏ زحل‏,‏ يورانوس‏,‏ نبتيون‏,‏ بلوتو‏)‏ لا يصلها قدرٌ كافٍ من حرارة الشمس فتعيش في برودة قاتلة لا تقوى الحياة الأرضية على تحملها‏.‏ و لذلك فإنه من الواضح أن بعد الأرض عن الشمس قد قدره ربنا‏ -تبارك و تعالى‏-‏ بدقة بالغة تسمح للأرض بتلقي قدر من طاقة الشمس يتناسب تماماً مع حاجات جميع الكائنات الحية على سطحها‏,‏ و في كل من مياهها‏,‏ و هوائها بغير زيادة أو نقصان إلا في الحدود الموائمة لطبيعة الحياة الأرضية في مختلف فصول السنة‏.‏ فلو كانت الأرض على مسافة من الشمس تقدر بنصف بعدها الحالي، لزادت كمية الطاقة التي تتلقاها أرضنا منها إلى أربعة أمثال كميتها الحالية ولأدى ذلك إلى تبخير الماء و خلخلة الهواء و احتراق جميع صور الحياة على سطحها‏..!!!‏ و لو كانت الأرض على ضعف بعدها الحالي من الشمس لنقصت كمية الطاقة التي تتلقاها إلى ربع كميتها الحالية‏,‏ و بالتالى لتجمدت جميع صور الحياة و اندثرت بالكامل‏.‏ و باختلاف بعد الأرض عن الشمس قرباً أو بعداً يختلف طول السنة‏,‏ و طول كل فصل من الفصول نقصاً أو زيادةً مما يؤدي إلى اختلال ميزان الحياة على سطحها‏,‏ فسبحان من حدد للأرض بعدها عن الشمس و حفظها في مدارها المحدد و حفظ الحياة على سطحها من كل سوء‏...!!!‏

ثانياً:‏ أبعاد الأرض‏ يقدر حجم الأرض بحوالي مليون كيلومتر مكعب‏,‏ و يقدر متوسط كثافتها بحوالي ‏5,52‏ جرام للسنتيمتر المكعب‏,‏ و على ذلك فإن كتلتها تقدر بحوالي الستة آلاف مليون مليون مليون طن‏,‏ و من الواضح أن هذه الأبعاد قد حددها ربنا‏ -تبارك و تعالى-‏ بدقة و حكمة بالغتين‏,‏ فلو كانت الأرض أصغر قليلاً لما كان في مقدورها الاحتفاظ بأغلفتها الغازية‏,‏ و المائية‏,‏ و بالتالي لاستحالت الحياة الأرضية‏,‏ و لبلغت درجة الحرارة على سطحها مبلغاً يحول دون وجود أي شكل من أشكال الحياة الأرضية‏,‏ و ذلك لأن الغلاف الغازي للأرض به من نطق الحماية ما لا يمكن للحياة أن توجد في غيبتها‏,‏ فهو يرد عنا جزءاً كبيراً من حرارة الشمس و أشعتها المهلكة‏,‏ كما يرد عنا قدراً هائلاً من الأشعة الكونية القاتلة‏,‏ و تحترق فيه بالاحتكاك بمادته أجرام الشهب و أغلب مادة النيازك‏,‏ و هي تهطل على الأرض كحبات المطر في كل يوم‏.‏ و لو كانت أبعاد الأرض أكبر قليلاً من أبعادها الحالية لزادت قدرتها على جذب الأشياء زيادة ملحوظة مما يعوق الحركة‏,‏ و يحول دون النمو الكامل لأي كائن حي على سطحها إن وجد‏,‏ و ذلك لأن الزيادة في جاذبية الأرض تمكنها من جذب المزيد من صور المادة و الطاقة في غلافها الغازي فيزداد ضغطه على سطح الأرض‏,‏ كما تزداد كثافته فتعوق وصول القدر الكافي من أشعة الشمس إلى الأرض‏,‏ كما قد تؤدي إلى احتفاظ الأرض بتلك الطاقة كما تحتفظ بها الصوب النباتية على مر الزمن فتزداد باستمرار و ترتفع حرارتها ارتفاعاً يحول دون وجود أي صورة من صور الحياة الأرضية على سطحها‏.‏

و يتعلق طول كل من نهار وليل الأرض وطول سنتها‏,‏ بكل من بعد الأرض عن الشمس‏,‏ و بأبعادها ككوكب يدور حول محوره‏,‏ و يجري في مدار ثابت حولها‏.‏ فلو كانت سرعة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس أعلى من سرعتها الحالية لقصر طول اليوم الأرضي‏(‏بنهاره و ليله‏)‏ قصراً مخلاً,‏ و لو كانت أبطأ من سرعتها الحالية لطال يوم الأرض طولاً مخلاً‏,‏ و في كلتا الحالتين يختل نظام الحياة الأرضية اختلالاً قد يؤدي إلى إفناء الحياة على سطح الأرض بالكامل‏,‏ إن لم يكن قد أدى إلى إفناء الأرض ككوكب إفناءً تاماً‏,‏ و ذلك لأن قصر اليوم الأرضي أو استطالته‏(بنهاره و ليله)‏ يخل إخلالاً كبيراً بتوزيع طاقة الشمس على المساحة المحددة من الأرض‏,‏ و بالتالي يخل بجميع العمليات الحياتية من مثل النوم و اليقظة‏,‏ و التنفس و النتح‏,‏ و غيرها‏,‏ كما يخل بجميع الأنشطة المناخية من مثل الدفء و البرودة‏,‏ و الجفاف و الرطوبة‏,‏ و حركة الرياح و الأعاصير و الأمواج‏,‏ و عمليات التعرية المختلفة‏,‏ و دورة المياه حول الأرض و غيرها من أنشطة‏.‏ كذلك فلو لم تكن الأرض مائلة بمحورها على مستوى مدار الشمس ما تبادلت الفصول‏,‏ و إذا لم تتبادل الفصول اختل نظام الحياة على الأرض‏.‏ و بالإضافة إلى ذلك فإن تحديد مدار الأرض حول الشمس بشكله البيضاني ‏(الإهليلجي‏),‏ و تحديد وضع الأرض فيه قرباً و بعداً على مسافات منضبطة من الشمس يلعب دوراً مهماً في ضبط كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلى كل جزء من أجزاء الأرض و هو من أهم العوامل لجعلها صالحة لنمط الحياة المزدهرة على سطحها‏,‏ و هذا كله ناتج عن الاتزان الدقيق بين كل من القوة الطاردة‏ (النابذة‏)‏ المركزية التي دفعت بالأرض إلى خارج نطاق الشمس‏,‏ و شدة جاذبية الشمس لها‏,‏ و لو اختل هذا الاتزان بأقل قدر ممكن فإنه يعرض الأرض إما للابتلاع بواسطة الشمس حيث درجة حرارة قلبها تزيد عن خمسة عشر مليوناً من الدرجات المطلقة‏,‏ أو تعرضها للانفلات من عقال جاذبية الشمس فتضيع في فسحة الكون المترامية فتتجمد بمن عليها و ما عليها‏,‏ أو تحرق بواسطة الأشعة الكونية‏,‏ أو تصطدم بجرم آخر‏,‏ أو تبتلع بواسطة نجم من النجوم‏,‏ و الكون من حولنا مليء بالمخاطر التي لا يعلم مداها إلا الله‏ تعالى ,‏ و التي لا يحفظنا منها إلا رحمته‏ -سبحانه و تعالى-‏ و يتمثل جانب من جوانب رحمة الله بنا في عدد من السنين المحددة التي تحكم الأرض كما تحكم جميع أجرام السماء في حركة دقيقة دائبة لا تتوقف و لا تتخلف حتي يرث الله الأرض و من عليها‏.

‏ ثالثاً‏:‏ بنية الأرض‏ أثبتت دراسات الأرض أنها تنبني من عدة نطق محددة حول كرة مصمتة من الحديد و النيكل تعرف باسم لب الأرض الصلب‏ (‏الداخلي‏)‏. و لهذا اللب الصلب كما لكل نطاق من نطق الأرض دوره في جعل هذا الكوكب صالحاً للعمران بالحياة الأرضية في جميع صورها‏.‏ و تقسم النطق الداخلية للأرض على أساس من تركيبها الكيميائي أو على أساس من صفاتها الميكانيكية باختلافات بسيطة بين العلماء‏,‏ و تترتب بنية الأرض من الداخل إلى الخارج على النحو التالي:‏ ‏(1)‏ لب الأرض الصلب (الداخلي‏):‏ و هو عبارة عن نواة صلبة من الحديد‏ (90%)‏ و بعض النيكل‏(9%)‏ مع قليل من العناصر الخفيفة من مثل الفوسفور‏,‏ الكربون‏,‏ السيليكون‏(1%),‏ و هو نفس تركيب النيازك الحديدية تقريباً‏.‏ و يبلغ قطر هذه النواة حوالي‏2402‏ كيلو متر‏,‏ و يمتد نصف قطرها من مركزها على عمق‏6371‏ كيلومتراً إلى عمق‏5170‏ كيلومتراً تحت سطح الأرض‏.‏ و لما كانت كثافة الأرض في مجموعها تقدر بحوالي‏5,52‏ جرام للسنتيمتر المكعب‏,‏ بينما تختلف كثافة قشرة الأرض بين‏2,7‏ جرام للسنتيمتر المكعب‏,‏ و حوالي‏3‏ جرامات للسنتيمتر المكعب‏,‏ فإن الاستنتاج المنطقي يؤدي إلى أن كثافة لب الأرض لابد وأن تتراوح بين‏10‏ و‏13,5‏ جرام للسنتيمتر المكعب‏.‏ ‏(2)‏ نطاق لب الأرض السائل ‏(الخارجي‏):‏ و هو نطاق سائل يحيط باللب الصلب‏,‏ و له نفس تركيبه الكيميائي تقريباً-و إن كانت مادته منصهرة-‏,‏ و يبلغ سمكه‏2275‏ كيلو مترا‏ (‏من عمق‏5170‏ كيلو مترا إلى عمق‏2885‏ كيلومتراً تحت سطح الأرض‏),‏ و يفصل هذا النطاق عن اللب الصلب منطقة انتقالية يبلغ سمكها‏450‏ كيلومتراً تمثل بدايات عملية الانصهار و على ذلك فهي شبه منصهرة ‏(وتمتد من عمق‏5170‏ كيلومتراً إلى عمق‏4720‏ كيلومتراً تحت سطح الأرض‏)‏ و يكون كل من لب الأرض الصلب ولبها السائل حوالي 31%‏ من كتلتها‏.‏ ‏(3),(4),(5)‏ نطق وشاح الأرض‏:‏ يحيط وشاح الأرض بلبها السائل‏,‏ و يبلغ سمكه حوالي‏2765‏ كيلومتراً ‏(من عمق‏2885‏ كيلومتراً إلى عمق‏120‏ كيلومتراً تحت سطح الأرض‏),‏ و يفصله إلى ثلاثة نطق مميزة مستويان من مستويات انقطاع الموجات الاهتزازية الناتجة عن الزلازل‏,‏ يقع أحدهما على عمق‏670‏ كيلومتراً‏,‏ و يقع الآخر على عمق‏400‏ كيلومتراً من سطح الأرض‏,‏ و بذلك ينقسم وشاح الأرض إلى وشاح سفلي ‏(يمتد من عمق‏2885‏ كيلومتراً إلى عمق‏670‏ كيلومتراً تحت سطح الأرض‏),‏ و وشاح متوسط‏ (يمتد من عمق‏670‏ كيلومتراً إلى عمق‏400‏ كيلومتراً تحت سطح الأرض‏),‏ و وشاح علوي‏ (‏يمتد من عمق‏400‏ كيلومتراً إلى عمق يتراوح بين‏65‏ كيلومتراً تحت المحيطات‏,‏ و عمق‏120‏ كيلومتراً تحت سطح القارات‏).‏ و قمة الوشاح العلوي ‏(من عمق‏65‏ ـ‏120‏ كيلومتراً إلى عمق‏200‏ كيلومتر تحت سطح الأرض‏)‏ يعرف باسم نطاق الضعف الأرضي لوجوده في حالة لزجة‏,‏ شبه منصهرة‏ (‏أي منصهرة انصهاراً جزئياً في حدود نسبة‏1%).‏ ‏(6),(7)‏ الغلاف الصخري للأرض: و يتراوح سمكه بين‏65‏ كيلومتراً تحت قيعان البحار و المحيطات‏,120‏ كيلومتراً تحت القارات‏,‏ و يقسمه خط انقطاع الموجات الاهتزازية المسمى باسم الموهو، إلى قشرة الأرض و إلى ما تحت قشرة الأرض. و تمتد قشرة الأرض إلى عمق يتراوح بين‏5‏ و‏8‏ كيلومترات تحت قيعان البحار و المحيطات‏,‏ وبين‏60‏ و‏80‏ كيلومتراً تحت القارات‏,‏ و يمتد ما تحت القشرة إلى عمق‏120‏ كيلومتراً تحت سطح الأرض‏.‏ و للأرض مجال جاذبية يزداد مع العمق حتى يصل إلى قمته عند الحد الفاصل بين وشاح الأرض و لبها‏(على عمق‏2885‏ كيلومتراً تحت سطح الأرض‏)‏ ثم يبدأ في التناقص‏ (بسبب الجذب الذي يحدثه عمود الصخور فوق هذا العمق‏)‏ حتى يصل إلى الصفر في مركز الأرض‏.‏ و لولا جاذبية الأرض لهرب منها غلافها الغازي‏,‏ و لو حدث ذلك ما أمكنها أن تكون صالحة لاستقبال الحياة‏,‏ و ذلك لأن هناك حداً أدنى لسرعة الهروب من جاذبية الأرض يقدر بحوالي‏11,2‏ كيلومتر في الثانية‏,‏ بمعنى أن الجسم لكي يستطيع الإفلات من جاذبية الأرض فعليه أن يتحرك في عكس اتجاه الجاذبية بسرعة لا تقل عن هذه السرعة‏.‏ و لما كانت حركة جسيمات المادة في الغلاف الغازي للأرض أقل من تلك السرعة بكثير، فقد أمكن للأرض‏ (بتدبير من الله تعالى‏)‏ أن تحتفظ بغلافها الغازي‏,‏ و لو فقدته ولو جزئياً لاستحالت الحياة على الأرض‏,‏ و لأمطرت بوابل من الأشعات الكونية و الشمسية‏,‏ و لرجمت بملايين من النيازك التي كانت كفيلة بتدميرها‏...!!!‏ كذلك فإن للأرض مجالاً مغناطيسياً ثنائي القطبية‏,‏ يعتقد أن له صلة وثيقة بلب الأرض الصلب و حركة إطاره السائل من حوله‏,‏ و يتولد المجال المغناطيسي للأرض كما يتولد لأي جسم آخر من حركة المكونات فيها و فيه‏,‏ و ذلك لأن الجسيمات الأولية للمادة‏ (و هي في غالبيتها مشحونة بالكهرباء‏)‏ تتحرك سواء كانت طليقة أو مرتبطة في داخل ذرات المادة‏,‏ و هي حينما تتحرك تولد مجالاً مغناطيسياً‏,‏ و المجال المغناطيسي لأية نقطة في فسحة الكون يمثل بمحصلة اتجاه تمتد من القطب المغناطيسي الجنوبي للمادة إلى قطبها الشمالي في حركة معاكسة لاتجاه عقرب الساعة و مماثلة لحركة الطواف حول الكعبة المشرفة‏.‏

و المجال المغناطيسي للأرض كون لها(بإرادة الله تعالى‏)‏ غلافاً مغناطيسياً يعرف باسم النطاق المغناطيسي للأرض و هو يلعب دوراً مهماً في حماية الأرض من الأشعة الكونية بتحكمه في حركة الجسيمات المشحونة القادمة إلينا من فسحة الكون فيجعلها تدور من أحد قطبي الأرض المغناطيسيين إلى الآخر دون الدخول إلى المستويات المنخفضة من غلافها الغازي‏.‏ و يمتد المجال المغناطيسي للأرض إلى مسافة تقدر بخمسين ألف كيلومتر فوق سطحها‏,‏ و كونت الجسيمات المشحونة القادمة من السماء و التي أسرها المجال المغناطيسي للأرض زوجين من أحزمة الاشعاع هلالي الشكل على ارتفاع ألفي كيلو متر و خمسين ألف كيلومتر على التوالي يحيط كل زوج منهما بالأرض من إحدى جهاتها‏,‏ و يحيط الزوج الآخر من الجهة الأخرى و هذه الحلقات من أحزمة الإشعاع تحاصر الأرض مع مستوى مركزي منطبق على المستوى الاستوائي المغناطيسي لها‏,‏ و تحميها من وابل الأشعة الكونية المتساقط باتجاهها في كل لحظة‏,‏ و لولا هذه الحماية الربانية لهلكنا و هلكت جميع صور الحياة من حولنا‏,‏ و الجرعة الإشعاعية في أحزمة الإشعاع تلك عالية الشدة لا تطيقها أية صورة من صور الحياة الأرضية‏,‏ و تبلغ الشدة الإشعاعية مداها في نطاق المنطقة الاستوائية للحزام الإشعاعي للأرض‏.‏ و للأرض كذلك نشاط ديناميكي يتمثل في حركة ألواح الغلاف الصخري لها‏,‏ الممزق بشبكة هائلة من الصدوع‏,‏ و تتحرك تيارات الحمل العنيفة المندفعة من نطاق الضعف الأرضي لتحرك تلك الألواح إما متباعدة عن بعضها البعض فتكون قيعان البحار و المحيطات وتساعد على عملية اتساعها و تجديد مادتها باستمرار‏,‏ و إما مصطدمة مع بعضها البعض فتكون السلاسل الجبلية‏,‏ و تصاحب العمليتان بتكون السلاسل الجبلية و بالعديد من الهزات الأرضية‏,‏ و الثورانات البركانية التي تثري سطح الأرض بالخيرات المعدنية و الصخرية المختلفة‏.‏ و الجبال لعبت و لاتزال تلعب دورا رئيسياً في تثبيت الغلاف الصخري للأرض‏,‏ و لولا هذا التثبيت ما تكونت التربة‏,‏ و لا دارت دورة المياه‏,‏ و لا خزنت المياه تحت السطحية‏,‏ و لا نبتت نبتة‏,‏ ولا أمكن لكائن حي أن يستقر على سطح الأرض‏.‏ كذلك لعبت الجبال ولاتزال تلعب دوراً مهماً في تثبيت الأرض ككوكب يدور حول نفسه‏,‏ وتقلل من درجة ترنحه كما تقلل قطع الرصاص التي توضع في إطارات السيارات من معدل ترنحها‏.‏ ولولا نطاق الضعف الأرضي ما أمكن لهذه العمليات الداخلية للأرض أن تتم‏,‏ وهي من ضرورات جعلها صالحة للعمران‏.‏ هذه بعض آيات الله في الأرض وهي أكثر من أن تحصى في مقال واحد‏,‏ أشارت إليها هذه الآية الكريمة التي يقول فيها ربنا‏ تبارك وتعالى : { وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ } فسبحان من خلق الأرض بهذا القدر من الاحكام والإتقان‏,‏ وترك فيها من الآيات ما يشهد لخالقها بطلاقة القدرة‏,‏ وإحكام الصنعة‏,‏ وشمول العلم كما يشهد له تعالى‏ بجلال الربوبية وعظمة الألوهية‏,‏ والتفرد بالوحدانية‏,‏ وسبحان الذي أنزل هذه الآية الكريمة المعجزة من قبل ألف وأربعمائة سنة ولم يكن لأحد من الخلق الإلمام بتلك الآيات الأرضية والتي لم تتكشف أسرارها للإنسان إلا منذ عقود قليلة من الزمان‏,‏ وفي ذلك من الشهادات القاطعة بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ وأن نبينا محمداً‏ (‏صلى الله عليه وآله وسلم‏)‏ هو خاتم أنبياء الله ورسله‏,‏ وأنه‏ صلوات الله وسلامه عليه‏ كان موصولاً بالوحي‏,‏ ومُعَلَّمَاً من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ وصدق الله العظيم إذ يصفه بقوله الحق‏:‏ { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى } ‏[النجم:3-10]

الرابط : https://ar.islamway.net/article/573/-%D9%88%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B6-%D8%A2%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D9%84%D9%85%D9%88%D9%82%D9%86%D9%8A%D9%86

قراءة 248 مرات آخر تعديل على الخميس, 02 أيلول/سبتمبر 2021 09:43

رأيك في الموضوع

{ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18