(function(i,s,o,g,r,a,m){i['GoogleAnalyticsObject']=r;i[r]=i[r]||function(){ (i[r].q=i[r].q||[]).push(arguments)},i[r].l=1*new Date();a=s.createElement(o), m=s.getElementsByTagName(o)[0];a.async=1;a.src=g;m.parentNode.insertBefore(a,m) })(window,document,'script','//www.google-analytics.com/analytics.js','ga'); ga('create', 'UA-60345151-1', 'auto'); ga('send', 'pageview');
طباعة
الأحد, 31 تشرين1/أكتوير 2021 11:20

بناء القـــدرات برؤيا قوامها الشمولية والمعاصرة

كتبه  الأستاذة جميلة مرابط
قيم الموضوع
(0 أصوات)

(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) معادلة ربانية لكل من ينشد النجاح و الفلاح و التطور و النمو، و لكل من يسعى للعيش في أمن و استقرار و يحقق حياة مثمرة، باستثمار كل قدرات و توظيف كل المواهب، و اغتنام كل الفرص بصورة علمية و عملية وفق سلوكيات قومها العقل الذي يدرك و القلب الذي يعي و الجارحة التي تعمل و تنفذ. لهذا تعتبر عملية بناء القدرات بصفة عامة؛ نهج للتغيير الاجتماعي و السلوكي، و استراتيجية تطوير البنية الهيكلية؛ و التي تتركز على فهم العقبات و التعامل مع التحديات التي تفرضها المتغيرات بكفاءة، بغية تحقيق نتائج قابلة للقياس.

و بناء القدرات المجتمعية، هو أكثر بكثير من تمكين الأفراد من الوصول للمعارف و المعلومات، بل يشمل التطوير و إجراء تغييرات قانونية و تنظيمية لتمكين المجتمعات على جميع المستويات، و في جميع القطاعات للوصول إلى مسائل متعلقة بنوعيه الحياة في المستقبل. و بالتالي أصبحت مسألة الانتباه إلى كيفية تفكير الإنسان و كيفية تأثير البيئة الاجتماعية على تشكيل التفكير أمرًا ضروريًّا خاصة و أن البشر يتأثرون في اتخاذ قراراتهم بالمحفزات المرتبطة بالبيئة، و الشبكات و الأعراف الاجتماعية المحلية، و النماذج الذهنية المشتركة، كل هذا يلعب دورًا في تحديد ما يراه الأفراد مرغوبًا، أو ممكنًا، أو حتى قابلاً للتحقيق.

لهذا تحتل برامج بناء القدرات قدرًا كبيرًا من الأهمية، و نجدها مدرجة في معظم برامج المنظمات الدولية (كالبنك الدولي، و وكالات التابعة للأمم المتحدة… التي تعمل في مجال التنمية)، حيث أثبتت عدة دراسات أن النجاح الذي يحققه الإنسان في حياته جزء يسير منه فقط (15%) يعتمد على المهارات العملية أو المهنية المتخصصة، و الجزء الأكبر (85%) يعتمد على البراعة الاتصالية. و بناء على هذه الأبحاث، يتم إعداد برامج بناء القدرات مركزة على جانبين: الأول مرتبط بقوة العلم و المعرفة. و الثاني له علاقة بقوة الدور أو الوظيفة.

أما العلم والمعرفة فتعطي الإنسان مجالاً رحباً من التأثير الإيجابي على الآخرين؛ و تجعله أقدر على امتلاك قلوبهم و إقناعهم بوجهة نظره. و أما خصوص الدور أو الوظيفة التي يمارسها الإنسان فهي تعطيه قوة على التأثير و الفعل و الإرادة، و هذا له ارتباط بالشخصية الإنسانية و القدرة على التعايش اجتماعيًّا مع الآخرين و الانفتاح على صعيد القدرات و القوى لتقبل المستجدات و التغيرات و كسر أغلال التصلب الفكري، و عدم حصره في زاوية معينة طالما أن بصيرتك متيقظة.

و هذه الأخيرة هي المفتاح و السبيل، بل هي ذلك الصندوق المتوهج بداخلنا مصداقا لقوله عليه أفضل الصلاة و السلام: “ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، و إذا فسدت فسد الجسد كله، ألا و هو القلب”، فالقلوب أوعية فإذا امتلأت من الحق أظهرت زيادة أنوترها على بقية الجوارح الأخرى، و إذا امتلأت من الباطل أظهرت زيادة ظلمها على باقي الجوارح.. و للأسف الشديد و في عصرنا الحالي نعاني جمودا، لأن قلوبنا أصبحت ككتل جليدية، صقيعها أدى إلى تجميد كل حواسنا و إدراكاتنا.

علما أن التغيير سمة من سمات الحياة وحالة ضرورية للوصول، فهو يحررنا من الروتين و الجمود، و يجلب إلينا البشائر و يمنحنا إمكانية اكتشاف الشيء المجهول و نختبره، لهذا ينبغي علينا أن نسمح للحياة أن تنقلنا إلى اتجاهات مختلفة و جديدة، و الانفتاح على آراء و طرق و سلوكيات الآخرين و إدراك أصغر التفاصيل بالسماح لأنفسنا بالاستفادة من التجربة، و نستمتع حتى بالأشياء التي ربما كانت تزعجنا سابقا، بتقبل و تبني طرق جديدة للتعلم و التطور لأن الحياة أكثر بكثير مما تراه العين فقط.

لهذا تعتبر شريعتنا السمحة من الشرائع التي تهتم ببناء و تقويم الأنماط السلوكية بما يخدم الفرد و المجتمع ككيان موحد نواته الوحدة الإنسانية لبني البشر (كلكم لآدم و آدم من تراب) لكي يستشعر الفرد بقيمته الإنسانية و أنه عنصر فاعل في المجتمع، و هذا سيكرس التلاحم و التضامن لإرساء بنيان مرصوص يدعم بعضه: “مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى و السهر”.

فالمجتمع كشجرة تهتز أغصانها جميعا إذا لمستها الرياح لا فرق بين أعلاها و أدناها، لذا فاللبنة و الأعمدة التي قام عليها هي المصدر المدعم لصلابة أي مجتمع مهما واجهته من تحديات و عقبات، و مهما خاض من مشاكل و صعاب تبقى اللبنة صمام الأمان التي ستجعله الأبقى على الزمن و الأجدر بالتقدير و الاحترام. فمن واجب على كل إنسان أن يحب نفسه و يحب غيره فنحن سواء في كيان المجتمع يبقى التفاضل بين الناس في الحياة، بمقدار ما يقدم أحدهم لنفسه و للناس من خير و شر “الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله”.

يبقى السؤال الذي يفرض نفسه عن مدى نجاعة البرامج بناء القدرات المعتمدة داخل مجتمعاتنا؟ و عن الآليات المعتمدة؟ ثم كيف يمكن لهذه البرامج أن تشكل فارقا أو تأثيرا على السلوك الاجتماعي؟

– العلم و إعمال العقل وسيلة تمكينية لعملية بناء القدرات

تعتمد برامج بناء القدرات، على إطارين: نظري و تطبيقي من المعارف و التجارب الميدانية، من أجل تمكين أفراد مجتمع ما من الحصول على المهارات اللازمة لأداء وظائفهم بكفاءة و تحسينها و الاحتفاظ بها. و تعزز تنزيل سياسات مع تسهيل تطبيقها، و أيضا دعم المبادرات الرائدة و تقديم المساعدة الفنية عند الاقتضاء.

هذا النوع من البرامج ذات رؤيا متكاملة، و بأبعاد شمولية و معاصرة؛ لا تخرج عن تعاليم شريعتنا السمحة. التي تعتبر شريان الحياة، و القاعدة المتينة و السليمة المؤدية إذا ما التزامنا بها “إلى الارتقاء بالسلوك المادي و الخلقي و الروحي للبشرية في آن واحد لما فيها خيرها”.

فهي المنهاج الذي يملك القدرة على إعادة بناء البشرية على الوجه الصحيح، الذي أراده الله خلافة بالحق و الصلاح لهذه الأرض، فالقرآن الكريم دستور الحياة و مفتاح لتوجيه البحث العلمي، فيه كل ما يحتاجه الناس في حياتهم، مشتملاً على الكثير من مصالح المعاش و المعاد، محيطًا بمنافع الدنيا و الدين، و صالح لكل زمان … كما يحب الحياة و يقدسها و يحبب الناس فيها، و هو بذلك يحررهم من الخوف و يرسم الطريق المثلى لتعيش الإنسانية متجهة إلى غاياتها من الرقي و التقدم، و هي مظللة بظلال الأمن الوارفة…. فهو لا يرغم أحدا على عقيدة معينة، و لا يكره إنسانا على نظرية خاصة بالحياة… و وسيلته هي استعمال العقل و الفكر و النظر فيما خلق الله من أشياء.

وفي هذا يشير الأستاذ الدكتور فاروق حمادة “لقد كان نزول القرآن الكريم منعطفا عظيما، و محطة هامة في توجيه الإنسان… لهذا كانت دعوة القرآن من أول يوم من نزوله إلى التأمل فيه، و إدراك قوانينه، و معرفة أحواله، و تقلباته، و أصنافه…. قد بين لنا القرآن قواعد و حقائق عنه حتى لا يزل الإنسان و لا يتوه… فمن كتاب الله المنظور، ينتقل العاقل المتأمل الرشيد إلى كتاب الله المسطور ليوقن بصدق الوحي، فيسمو بروحه و فكره إلى درجة الخاشعين المصدقين الذين تنطلق من حناجرهم و مشاعرهم و هذه دعوة إلى التفكير و الاكتشاف معتبرا ذلك الطريق الأصيل لتثبيت العقيدة، و زيادة الإيمان .  و لن يستقيم حال البشر سواء في علاقتهم أو في أحوالهم النفسية و الروحية إلا بحصول التكامل المطلوب بين تحصيل العلمي و العمل. 

لأن الإسلام لا يقف عند حد الإشادة بهذه المبادئ،  بل أيضا يعمل على غرسها في النفوس كعقيدة سامية أساسها تقوى الله و ابتغاء مرضاته، حتى إذا أينعت و آتت أكلها يأتي دور التنفيذ ممن شرع لهم فيكون بناء على وازع من أنفسهم لإيمانهم بعدالة التشريع، و أن الجزاء الأخروي أعظم من الجزاء الدنيوي. 

و بالتالي، نجد أن النظام الاسلامي و بناءه، تميزت بعمومتيه و أيضا في شموليته لكل ما يتعلق بموضوعات الحياة و أحكامه تصلح في كل زمان و مكان. بتدعيم الروابط الإنسانية و إقامتها على أساس من الحب و الرحمة و الإخاء و المساواة و العدل، قال تعالى(هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة، و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) ، حتى تكفل للناس الحياة الكريمة المهذبة، و التي تصل بهم إلى أعلى درجات الرقي و الكمال.

السلوكيات الاسلامية أســــاس السلوك الاجتماعي القـــــويم

يشير مفهوم السلوك حسب ما ذكره المفكرون العرب، إلى ذلك الفعل الذي يعبر عن الأعمال الإرادية التي يمارسها الإنسان مثل الكذب و الصدق و الكرم و البخل… سلوكيات خلقية في النفس أي استجابات لما ترغب فيه النفس البشرية سواء كان منها ما هو إيجابي أو سلبي. و حسب الدراسات السيكولوجية، التي تؤكد بأن السلوك يرتبط بالدرجة الأولى بتصوراتنا السابقة و عواطفنا و دوافعنا والتاريخ و البيئة… كلها عوامل تدخل في تفسير ما يتخذه الأفراد من قرارات في العديد من المدخلات المرتبطة بحياتهم. 

في حين ومن منظور النهج الاسلامي المتكامل، نجد بعض السلوكيات لا تتعلق بالعادات و التقاليد أو الاتجاهات، بل أساس ممارستها مرتبطة بطبيعة ديننا من طاعات و عبادات؛ خاصة التي حثت عليها السنة النبوية، كمصدر توضيحي و شارح في التشريع الإسلامي الذي يوجهنا إلى طريق الخير و الصلاح و الإعمار.

و هذه السلوكيات تعرف بالسلوكيات الاسلامية، و هي في مجملها تدعوا إلى كل ما فيه رقي للمجتمع و تمد جسور المحبة بأشكالها المختلفة، كالدعوة مثلا إلى إعمال طريقة الحوار السليمة، و حب الحق و المساواة بين الناس، و تحقيق العدالة، و تبادل الهدايا، و الدعوات، و زيارة المريض، و تقديم المساعدة للفقراء و الضعفاء المحتاجين، و أيضاً الوقوف بجوار اليتيم، الاهتمام بالضعيف، و الرفق بالصغير و احترام الكبير و غض البصر و كف الأذى… هي جميعا سلوكيات انسانية سوية التي يحث عليها الدين الإسلامي على تطبيقها و أوصى النبي الكريم بضرورة الحرص عليها و ممارستها.

و بالتالي، نجد أن عملية بناء  وترصيص لبنية مجتمع ينشد الرقي و الرفاهية، يتطلب مهارات فكرية و ذهنية و أناس يحكمهم التميز و العبقرية و الصلابة  و استقامة الشخصية و التعلم الجيد و العلاقات التي تتطور مع الوقت و النزاهة و الصدق و العمل الجاد و الرحمة بالآخرين. خاصة و أننا نملك ضروريات و أصول الحياة، ما علينا سوى اعمال فكرننا… و أي خلل يوجد في الوجود لا بد أن يصادفه تعطيل حركة الطاقة في ميدان الحياة و تعطيل الحركة ينشأ عن نوعين الكسل في استنباط نعمة الله في الوجود أو استنباط بعض الموهوبين أو القادرين على العمل للشيء ثم يحجز أصحاب الحقوق عن حقوقهم.

و في الأخير نستخلص، أن الشخصية الإنسانية التي تسعى برامج بناء القدرات على إيجادها، هي تلك التي تمتاز بالرغبة في التحدي المستحيل و التي تدفع بقهر الصعاب، و تجعل الفرد يعمل على توظيف فكره و عقله في جذب باب الأمل إليه بدل الانتظار أن يفتح له من الخارج، لأن التركيز على النتائج فقط سوف لن نتغير أبدا، و العكس صحيح إذا ركزنا على التغيير سوف نحصل على النتائج المرغوب فيها.

الهوامش:

  • السيد سابق: فقه السنة)السلم و الحرب المعاملات ( المجلد الثالث، دار الفكر و الطباعة  و النشر و التوزيع الطبعة الرابعة 1984
  • ابن كثير) قصص الأنبياء ( وأيضا سيد قطب)في ظلال القرآن(  و أيضا د. الشاهد البوشيخي ورقات في المسألة العلمية.
  • صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (  4 / 361 )
  • الإمام محمد عبده: الإسلام و النصرانية مع العلم و المدنية؛ مقالات نشرت في مجلة المنار،ط 4/  1349
  • الرابط : https://hiragate.com/25314/
قراءة 267 مرات آخر تعديل على الخميس, 04 تشرين2/نوفمبر 2021 09:47