قال الله تعالى

 {  إِنَّ اللَّــهَ لا يُغَيِّــرُ مَـا بِقَــوْمٍ حَتَّــى يُـغَيِّـــرُوا مَــا بِــأَنْــفُسِــــهِـمْ  }

سورة  الرعد  .  الآيـة   :   11

ahlaa

" ليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، و إنما المهم أن نرد إلي هذه العقيدة فاعليتها و قوتها الإيجابية و تأثيرها الإجتماعي و في كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم علي وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده و نملأ به نفسه، بإعتباره مصدرا للطاقة. "
-  المفكر الجزائري المسلم الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله  -

image-home

لنكتب أحرفا من النور،quot لنستخرج كنوزا من المعرفة و الإبداع و العلم و الأفكار

الأديبــــة عفــــاف عنيبـــة

السيـــرة الذاتيـــةالسيـــرة الذاتيـــة

أخبـــار ونشـــاطـــاتأخبـــار ونشـــاطـــات 

اصــــدارات الكـــــاتبــةاصــــدارات الكـــــاتبــة

تـــواصـــل معنــــــاتـــواصـــل معنــــــا


تابعنا على شبـكات التواصـل الاجتماعيـة

 twitterlinkedinflickrfacebook   googleplus  


إبحـث في الموقـع ...

  1. أحدث التعليــقات
  2. الأكثــر تعليقا

ألبــــوم الصــــور

1f37cbc9fb3bec15836bb135bb6e2a8f 

مواقــع مفيـــدة

rasoulallahbinbadisassalacerhso  wefaqdev iktab
الإثنين, 11 تموز/يوليو 2022 10:09

أساليب "الحداثيين" في الطعن في "السنة النبوية" (1)

كتبه  د. محمود بن أحمد الدوسري
قيم الموضوع
(0 أصوات)

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَ نَسْتَعِينُهُ وَ نَسْتَغْفِرُهُ، وَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ؛ أمَّا بعد:

أنتجت القريحة العربية الإسلامية في ظلِّ نصوص الحديث الشريف صرحاً شامخاً، و طوداً راسخاً، تمثَّل فيما أطلق عليه العلماء اسم "علوم الحديث" التي شملت علوماً شتَّى؛ علم الإسناد، و الرجال، و مصطلح الحديث، و غيرها من العلوم المرتبطة بالسنة النبوية، و قد بذلوا في سبيل ذلك النفس و النفيس، على مدار عقودٍ من الزمن، تمكَّنوا خلالها من تمييز السقيم من الصحيح؛ فحفظوا السُّنة و صانوها من عبث العابثين.

و رغم ذلك؛ لم تمنع هذه العلوم بعض المشاغبين في كلِّ عصرٍ من التطاول على السُّنة و أهلها، بدايةً بأهل الأهواء و الزيغ من أصحاب الفِرق و المذاهب الضالة التي نشأت في مرحلة مُبكِّرة من عمر الإسلام الحنيف.

و يمثل العقلانيون العرب اتجاهاً مستقلاً بذاته عن الحداثيين؛ إذ إنهم و بالرغم من تلاقيهم في كثير من الأفكار و الآراء إلاَّ أنهم يختلفون في المنطلقات و الغايات.

فالعقلانيون العرب، تأثروا – بداية – بمذهب المعتزلة، حيث اطَّلعوا عليه و خبروه خبرة تامة، و قد انبهروا بآرائهم فيما يتعلَّق بإعلاء شأن العقل و تقديمه على النقل، بل جعلوه حاكماً على النص، فكان التأويل و كان الهجوم على الإسناد و علوم الحديث، و كان رد خبر الآحاد و عدم الأخذ به، و غير ذلك ممَّا ذهبوا إليه، فتأثَّر العقلانيون العرب بآرائهم وقاموا بإحياء تراثهم المندثر و نشره و الترويج له.

كما تأثر العقلانيون العرب بالصدمة الفكرية التي وقعت للشرق عامة و لهم خاصة، بعد مجيء الاستعمار و طَرْقِه أبواب الشرق و الاتصال بالغرب و الترحال إليه، و الاطلاع على ما وصل إليه من تقدُّم و ازدهار، بينما هم في تخلُّفٍ و انهيار؛ فأرادوا أن يلحقوا بركب التقدُّم و التحضُّر، ظانين أن السبيل هو متابعتهم فيما عندهم و إعمالهم العقل، و العقل فقط، فكان تعاطيهم للتراث و موقفهم من الحديث و أهله.

و لكنهم و رغم ما تبنَّوه من أفكار و ما روَّجوا له من آراء، إلاَّ أنهم كانوا يدَّعون رغبتهم في الإصلاح، و أنهم إنما يخدمون الإسلام و السنة النبوية المشرفة، فهدفهم المعلن كان نبيلاً.

و يمكن القول إنَّ العقلانيين العرب كانوا أوَّلَ بذرة للحداثة العربية؛ لأنَّ أصحاب التيار الحداثي دائماً يتحدَّثون عنهم و عن آرائهم، و كثير من الأحيان يعتبرون أنفسهم امتداداً لهم، لا سيما أصحاب التيار الحداثي المصري.

و لكن في الوقت ذاته لا يمكن بحال اعتبار الحداثيين العرب جزءًا من العقلانيين رغم تشابههم في كثير من الآراء و الأفكار، فالتيار الحداثي العربي يُمثِّل تياراً مُستقِلاًّ، بأدوات و أفكار و آراء و أصول و جذور خاصة، مستمدة معظمها من الفلسفة الغربية و الحداثة الغربية، و كذلك فإن موقفهم من التراث العربي موقف عدائي؛ حيث يريدون نقضه و هدمه، ثم البناء من جديد، بعيداً عن هذا التراث الذي يصدُّهم عن سبيل التقدُّم و الرُّقي بزعمهم.

كما يُلاحَظ على التيار الحداثي العربي غزارة إنتاجه الفكري و امتداده على مدار العالم العربي من شرقه إلى غربه، في حركة نشطة و متصاعدة، حتى يمكن القول إنَّهم كوَّنوا فيما بينهم مدرسةً فكريَّةً و تيَّاراً فلسفيًّا.

و لذا نالت السنة النبوية القسط الأوفر من الهجوم و الحرب المعلنة، و تعدَّدت أوجه الهجوم وأساليب الطعن فيها، و من أهم أساليب "الحداثيين" في الطعن في "السنة النبوية" ما يلي:

الأسلوب الأول: نفي صفة الوحي عن السُّنة:

وقف دعاة الحداثة من السنة النبوية و كونها وحياً من عند الله تعالى مواقف متعدِّدة؛ لكنها جميعاً تُعَبِّر عن موقف رافضٍ لاعتبارها وحياً من عند الله تعالى؛ هذا من جهة، و من جهة أخرى الدعوة إلى التعامل معها تعاملاً لغوياً و تلقِّيها تَلَقِّياً بشرياً وَفْق مفاهيم و معايير النقد الحديث[1]:

1- فمنهم مَنْ يتبنَّى القولَ ببشرية النصوص الدِّينية(النصوص الدِّينية نصوص لغوية، شأنها شأن أيَّة نصوصٍ أُخرى في الثقافة، و أنَّ أصلها الإلهي لا يعني أنها في درسها و تحليلها تحتاج إلى منهجيات ذات طبيعة خاصة تتناسب مع طبيعتها الإلهية.. هنا نتبنَّى القول ببشرية النصوص الدِّينية)[2]، و هم في دعواهم هذه لا يُفرِّقون بين القرآن و السُّنة؛ و إنما جمعوا بينهما باعتبارهما نصوصاً لغوية، و يجب إخضاعهما - في الدرس و التحليل و التأويل – لأدوات و مناهج اللغة؛ سواء أُنتِجت هذه الأدوات قديماً أو وُضِعَت حديثاً، و لعل من أخطر ما يُروِّجون له و يحاولون تطبيقه من مناهج النقد الحديث هي نظرية التَّلقِّي، و ما تفرَّع عنها من مفاهيم و مصطلحات؛ كالإبداع الموازي، و موت المؤلف، و غيرها، التي لا يسوغ بحال من الأحوال استعمالها و تطبيقها على النصوص المقدَّسة، فلا يجوز أن نفصل النَّص المُقدَّس عن قائله؛ و هو الله سبحانه و تعالى، و عن مُبلِّغه؛ و هو النبي صلى الله عليه و سلم، و هو أعلم خلق الله بمراد الله تعالى.

2- و منهم مَنْ يُصرِّح بأنَّ الحديث النبوي ليس وحياً مُنزَّلاً، ثم يستدل على ذلك بأن السُّنة لا تُقرأ في الصلاة ممَّا يدلُّ على بشريَّتها، و انتفاء صفة الوحي عنها: (الحديث النبوي ليس وحياً مُنزَّلاً، و لو كان كذلك لأصبح مَتْنُه قُرآناً يقرأه المسلمُ عند أدائه فروضَ صلاته)[3]، و هذا دليل على قصور فهمهم؛ إذ إنهم لم يستوعبوا أنَّ نصوص السنة النبوية وحي من عند الله تعالى بمعناها، و إنما الذي صاغها و عبَّر عنها بلغته و بلاغته هو الرسول صلى الله عليه و سلم، و الدليل على ذلك: الأحاديث المُفسِّرة للعبادات، التي أجملها القرآن الكريم و فسَّرتها السنة النبوية، فالعقل يقتضي أنَّ تفاصيل العبادات و الفروض ليست اجتهاداً من النبيِّ صلى الله عليه و سلم، و إنما أوامر توقيفية من الله تعالى، فمن أين أتى بها الرسول صلى الله عليه و سلم لو لم تكن السنة وحياً من عند الله تعالى.

3- ومنهم مَنْ يُثبت القداسة للقرآن والأحاديث القدسية، وما عدا ذلك فهو إنتاج بَشَري غير مُلزم(ليس هناك ما هو مقدَّس إلاَّ كلمات الله المُباشرة من كتابه الحكيم، و ما بلَّغه عنه رسولُه الكريم، أمَّا عدا ذلك فإنتاج بشري نستفيد منه و نستشيره و لكنه غير ملزم)[4]، و هذا الموقف ممَّا يُلَبِّس على الناس؛ إذ إنهم يُثبِتون القداسة للقرآن الكريم و للأحاديث القدسية، و ربما يظن ظان أنهم أكثر اعتدالاً من غيرهم، و هذا خطأٌ جسيم؛ إذ إنهم أثبتوا القداسةَ لجزءٍ من الوحي، ثم نزعوا القداسة عن باقي الوحي، و في نزعهم لهذه القداسة هَدْمٌ لما ادَّعوا تقديسَه ابتداءً؛ إذ لا يُفهم و لا يُفسَّر و لا يُعرف مُرادُه إلاَّ من خلال ما يُحاولون نزع القداسة عنه، فكيف لهم أنْ يفهموه؟! إنهم يهدفون إلى تأويل القرآن و تفسيره و إخضاعه وَفْقاً لأهوائهم و تحقيقاً لمآربهم، و السَّدُّ المنيع الذي يحول بينهم و بين ذلك هي السنة النبوية، فلا بد إذاً – حسب مفهومهم – من التخلص منها و تنحيتها جانباً.

4- و منهم مَنْ يقول بثبوت منطوق النَّص، و تحرُّك مفهومه(النص الديني في القراءة الحداثية ثابت من حيث منطوقه متحرِّك من حيث مفهومه، فلا مدلول له إلاَّ ما يضعه البشر من مدلولات وَفقاً لأفهامهم الخاصة، فهو قابل للتغيير قبولاً و رفضاً، و المصدر الإلهي للنصوص الدينية لا يُخرجها عن هذه القوانين؛ لأنها "تأنسنت" منذ تجسَّدت في التاريخ و اللغة و توجَّهت بمدلولها إلى البشر في واقع تاريخي محدَّد)[5]، و هذا الاتجاه القائل بتاريخية النصوص الدينية لا يهدف إلاَّ إلى تعطيل هذه النصوص، فهو يُثبِت قدسيَّتها، و يُثبت ما فهمه منها السابقون، و لكنه في الوقت ذاته يدعو إلى القول بأنهم فهموها وَفق معطيات عصورهم و وَفق مقتضيات واقعهم هم، فهي مناسبة للظرف التاريخي الذي عاشوه و عايشوه، و لكننا لسنا ملزمين أنْ نعيش وَفق أزمانهم و حسب عصورهم، لا سيما مع التطور الواضح في الحياة و آلياتها. و لنا وقفات مع هذا الاتجاه:

أولاً: هذا الاتجاه قَرَنَ بين الاجتهاد و بين الأحكام، فما لا شكَّ فيه أن الاجتهاد مستمر إلى قيام الساعة؛ و ذلك ليستوعب ما يستجد من قضايا و من إشكالات، ليقدم لها الحلول الشرعية المنضبطة بضوابط الشرع.

ثانياً: القول بتاريخية النصوص دعوة خطيرة تُمثِّل اتِّهاماً خطيراً للإسلام، فتنفي عنه صفة العالمية؛ إذ كيف يصبح عالميًّا و قد نزل لظروف بعينها لا تنطبق على ما سواه، هذا من جهة، و من جهة أخرى تنفي عنه صفة آخِر الرسالات، إذ أنه بهذا الشكل يفتقر إلى الكمال، ففيه قصور؛ لعدم استيعابه ما تبقَّى من عمر الإنسان على الأرض.

5-و منهم مَنْ يرفض تفسيرَ أهلِ السُّنة للآيات الدالة على أنَّ السُّنة وحي؛ كقوله تعالى: ﴿ وَ مَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم:3، 4] و يؤوِّلها و يقرؤها قراءةً حداثية: و يزعم أنه (لا علاقة للسُّنة بالحكمة أو الوحي، و أنَّ فَهم الآيات على هذا الشكل فَهمٌ ظاهر يُشبه ما ذهب إليه أهل الظاهر من فَهم الآية: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الفتح: 10] فوقعوا في التشخيص تعالى الله عمَّا يقولون)[6]، و السؤال المُوجَّه له و لمن على شاكلته: إذا لم تكن هناك علاقة للسنة النبوية بالحكمة أو الوحي، فما المقصود إذاً من الآية؟! و إذا لم نُفسِّر الآية بالآيات من القرآن، فما المقصود إذاً بالحكمة؟! و مَنْ هو صاحبُها؟! و أين هي؟!

6- و منهم مَنْ ينفي صفة الوحي عن السُّنة بدليل عدم كتابة النبي صلى الله عليه و سلم لها، و نهيه عن ذلك، و يرفض قوله صلى الله عليه و سلم: (أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَ مِثْلَهُ مَعَهُ[7])[8]: بدعوى أنه (من أغرب ما قذفته الرواية في سَيْلِها؛ لأنَّ النبي إذا كان قد أوتي مِثلَ الكتاب، أو مِثلَ القرآن، فمعنى ذلك أنه قد أوتي بذلك ليكون تماماً على القرآن و إكمالاً له لبيان دينه و شريعته، و إذا كان الأمر كذلك فَلِمَ لَمْ يُعنَ النبي بكتابة هذا المِثْل في حياته عندما تلقَّاه عن ربه كما عُنِيَ بكتابة القرآن؟ و لِمَ لَمْ يجعل له كُتَّاباً يُقيِّدونه عند نزوله كما جعل للقرآن كُتَّاباً؟)[9].

و الرد على هذه السؤالات كما يلي:

أولاً: من الثابت أنَّ النبي صلى الله عليه و سلم كان له كتبةٌ للوحي، يكتبون ما ينزل عليه من ربه من آيات القرآن الكريم، و قد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم النهي عن كتابة شيء غير القرآن الكريم، كما ثبت عنه الأمر بكتابة ما يصدر عنه صلى الله عليه و سلم؛ كما في حديث عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو رضي الله عنهما، قال: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم، أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَ قَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ في الْغَضَبِ وَ الرِّضَا؟! فَأَمْسَكْتُ عَن الْكِتَابِ! فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إلى فِيهِ، فقال: (اكْتُبْ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلاَّ حَقٌّ)[10]. فلماذا اجتُزِئَتْ الروايات، و أخذتم ما يناسبكم و تركتم ما يُخالفكم؟! فهذا الانتقاء يُخالف الموضوعية العلمية التي تدَّعون التزامها.

ثانياً: القرآن الكريم كلام الله تعالى، لا يجوز أن يُستبدل فيه حرف مكان حرف أو أن تُقدَّم آية على أُخرى، أو أن يتغيَّر موضع سورة من سورة بالتقديم أو التأخير، فهو توقيفي في الحروف و الكلمات و الآيات و السور بنفس الترتيب، و لا تجوز روايته بالمعنى و إنما بنصِّه و لفظه؛ لذا كان الشُّغل الشاغل هو تدوين القرآن الكريم كما هو و كما أُنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم حفظاً له و صيانة له.

أمَّا السنة فتختلف عن القرآن الكريم، فهي و إن كانت وحياً من عند الله تعالى، إلاَّ أنها ليست وحياً باللفظ التوقيفي، و إنما بالمعنى، و أمَّا الصياغة، فمن عند رسول الله صلى الله عليه و سلم، و تجوز روايتها بالمعنى.

و ليس هناك من أهل الإسلام قديماً و حديثاً مَنْ ساوى بين القرآن و السنة إلى حدِّ التَّطابق، فالسنة هي المصدر الثاني للتشريع، و هي في المنزلة التالية للقرآن الكريم، و قد استمدَّت قدسيَّتها و أهميَّتها من القرآن الكريم، باعتبارها الشارحة له و المفسِّرة لأحكامه، و أمَّا عن حفظها و تدوينها و صيانتها؛ فالأحاديث التي تحثُّ على حفظها و تبليغها أكثر من أن تُحصى، و من ذلك قوله صلى الله عليه و سلم: (نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حتى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هو أَفْقَهُ مِنْهُ، وَ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيسَ بِفَقِيهٍ)[11]. أليس في هذا التوجيه النبوي بحفظها و تبليغها ما يوحي بعنايته صلى الله عليه و سلم بها و بحفظها؟

7- و منهم مَن يدَّعي بأنَّ السنة تجربة بشرية محضة خاضها النبيُّ صلى الله عليه و سلم؛ فزعم بعضهم أنَّ السُّنة إلهام بشري، و حديث نفسٍ، و لا ترتقي أنْ تكون وحياً ربَّانيًّا: بل (كلُّ ما اختزنه محمد في ذاكرته سيرجع عن طريق الوحي في حالة الإيحاء الداخلي، عن طريق الصوت الداخلي الملهم في فترات الانحطاط و الذي اعتبَرَه محمد بكلٍّ حماسٍ وحياً إلهياً من الخارج)[12].

و لم يقف أصحاب هذا القول عند حدود السنة النبوية و القول ببشريَّتها، و إنما تجاوزوها إلى القرآن الكريم، و نفي صفة الوحي عنه، و اعتباره تأليفاً من عند النبي صلى الله عليه و سلم.

و زعم بعضُهم: أنَّ القرآن من صُنع النبي صلى الله عليه و سلم؛ بسبب تجربته البشرية، و مخالطته و معاشرته لبني قومه، و استفادته من الأقوام السابقين و الأديان السابقة، و سفره المُتعاقب في رحلات التجارة إلى الشام، و إقامته بالشام مُتَتَلْمِذاً على يدي رهبانها و أحبارها[13].

و زعم بعضُهم: انتفاء الوحي عن السُّنة؛ بتعظيم صفات النبي صلى الله عليه و سلم البشرية القيادية: و(للتأكيد على بشرية السُّنة يذهب بعض الحداثيين إلى تعظيم صفات النبي صلى الله عليه و سلم، فهو الشَّخصية الفذَّة و القائد العظيم، و المُفكِّر المبدع، و العبقري الفيلسوف، و العالِم واسع الاطلاع، و المُشرِّع المُتَمرِّس، و الأديب الذي لا يُضاهى، فهو الأعلى منزلةً بين البشر و الأعلى قامةً، و الأكثر معرفةً بأديان و شعائر الأقوام الآخرين و الأمم السابقة و عباداتها... إلخ[14]، هذه الأوصاف و غيرها الكثير التي تندرج تحتها عبارات المستشرقين التَّبجيلية لشخص محمدٍ صلى الله عليه و سلم، و أنه أعظم البشر و أعظم قائدٍ عبر التاريخ... و غيرها من الصفات البشرية مُتَجنِّبين ذِكر صفة الوحي أو النبوة عنه صلى الله عليه و سلم... فهذا المدح في حقِّه صلى الله عليه و سلم و إنْ كان غيرَ مرفوضٍ من حيث المبدأ؛ لكنه مردود مرفوض من حيث المآل و المَغْزَى الرَّامي لإبعاد صفة الوحي عنه)[15]، و ممَّا لا شك فيه أن الحداثيين العرب لم يختلقوا هذه الأقوال و لم يبتدعوها، و إنما أعادوا إحياءها من جديد، فحتى في عصر النبي صلى الله عليه و سلم يُسجِّل لنا القرآن الكريم أقوال مَنْ عادوه و رفضوا اتِّباعه، فقال سبحانه و تعالى عنهم: ﴿ وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَ أَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَ زُورًا * وَ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا ﴾ [الفرقان: 4 - 5]؛ و قوله سبحانه: ﴿ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ﴾ [الأنبياء: 5].

فمثل هذه الأقوال ممَّا لا ينظر فيها، و لا يلتفت لها؛ لأنها مسألة إيمانية بحتة، فمهما ادَّعى الحداثيون اتصالهم بالدين و مهما ادَّعوا إسلامهم، فلا يمكن أن يُسلَّم لهم بذلك ما داموا يُشكِّكون في ثبوت القرآن الكريم و كونه كلام الله الموحَى به إلى نبيِّه الكريم محمد صلى الله عليه و سلم.

و لكن ما يجب النظر إليه و الرد عليه هو خلع صفات العظمة و العبقرية على نبيِّنا محمد صلى الله عليه و سلم، و هذا الأمر مردود عليه من قديم، فقد فطن له العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في فتح مكة، عندما صعد هو و أبو سفيان الجبل؛ فرأى أبو سفيان جيشَ النبيِّ صلى الله عليه و سلم؛ فقال: سبحان الله، يا عباس! مَنْ هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم في المهاجرين و الأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ و لا طاقَةٌ، و اللهِ، يا أبا الفضل! لقد أصبح مُلْكُ ابنِ أخيك الغداةَ عظيماً، قال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: يا أبا سفيان! إنها النبوة، قال: فنعم إذن[16].

و نرد عليهم جميعاًإنَّ كل عظمة حقَّقها النبي صلى الله عليه و سلم و كلَّ منزلة و كلَّ فضل و كلَّ نبوغ مردُّه إلى النبوة و الرسالة، فما كان لمحمدٍ صلى الله عليه و سلم أنْ يصل إلى ما وصل إليه إلاَّ بالنبوة الرسالة، و قد عاش صلى الله عليه و سلم أربعين سنة قبل الرسالة لم يكن يقرأ و لا يكتب و لم يكن قائداً و لا رئيساً إلاَّ ما اشتهر عنه من صفات خُلُقية حميدة، و هي بمثابة الإعداد الإلهي المُسبق للرسالة. فما ظهرت دلائل نبوغه و عبقريته إلاَّ مع الوحي و مع الرسالة، فمَنْ قال بعبقريته و عظمته و قيادته، فلا بد أن يقرنها بإقرارٍ آخر، و هو الإقرار برسالته و نبوته صلى الله عليه و سلم.

8- و منهم مَنْ يطعن في شخص النبي صلى الله عليه و سلم بسبب اليتم؛ لنفي التقديس عن السُّنةفيزعم أنَّ (قصة امتناع المراضع عن أخذ محمدٍ بسبب يتمه قصة أشهر من أنْ تُنكر، و لم تأخذه حليمة إلاَّ لأنها لم تجد سواه. اليتيم في مثل هذا المجتمع القائم على العصبية كان يُعاني دون شكٍ إحساساً طاغياً بالإهمال و الضياع)[17]. و المحصِّلة النهائية لهذا الافتراء تُوصل إلى أنَّ إهمال المجتمع للنبي صلى الله عليه و سلم في طفولته – بسبب يُتمه؛ جعله شخصاً ناقماً على المجتمع و الناس، فتنتفي القداسة عن السُّنة النبوية؛ لذا كان بعضهم يُشكِّك في السنة النبوية و يزعم أنها (ادِّعاءات نبوية)[18].

و بعضُهم: يطعن في النبيِّ صلى الله عليه و سلم بسبب أُميَّته، فيقول: (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أميًّا و رسولاً للأميين، فما كان يخرج في شيء من حياته الخاصة و العامة و لا في شريعته عن أصول الأمية و لا عن مقتضيات السذاجة... فلعل ذلك الذي رأينا في نظام الحكم أيام النبي صلى الله عليه و سلم هو النظام الذي تقضي به البساطة الفطرية)[19].

و السؤال الموجَّه لهؤلاء الطاعنين في شخص النبي صلى الله عليه و سلم و اتهامهم له بالحقد على المجتمع و النِّقمة عليه، أين هذا الحقد و تلك النِّقمة عندما دخل النبيُّ صلى الله عليه و سلم مكةَ فاتحاً منتصِراً؟! ألم يكن من حقه – لو كان تحليلهم لشخصيَّته صحيحاً – أن ينتقم منهم جراء ما فعلوه؟!

و لكن العكس ما حدث، فقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، أقول لمَنْ يحتجُّ بقصة امتناع المراضِع عن أخذه صلى الله عليه وسلم و شهرتها: هذه القصة أيضاً أشهر من أن تُنكَر، و غيرها الكثير من قصص حلمه و عفوه و صفحه، و التي تدل على سمو أخلاقه، و رقي أدبه، و سلامة صدره، و بُعدِه كلَّ البُعد عن كلِّ مظاهر الحقد أو الانتقام.

أمَّا مَن ادَّعى سذاجة النبي صلى الله عليه و سلم و أُميَّته، فأقول له: لن أناقشك في نظام الحكم الإسلامي الفريد، و لا في تجربة النبي صلى الله عليه و سلم الرائعة، و لكن أقول لك: أليس من العدل و الموضوعية عند تقييم نظامٍ مَّا؛ أنْ يكون التقييم وَفْقَ ظروف عصره، فالتجارب إنما تُقيَّم في وسطها التاريخي و المكاني، و لا يجوز أنْ نُقيِّم تجربةً في القرن الأوَّل مثلاً بتجربةٍ في القرن العشرين، مُتَّهمين الأُولى بالتخلُّف و البساطة و السَّذاجة، فهذا ما لا يقبله العقل الصحيح، و لا البحث العلمي المُنصِف المحايد، و لكنه الهوى الذي يتحكَّم في أصحابه فيَخرُج بهم عن الصواب إلى الخطأ لا محالة.

يُتبع.



[1] انظر: الحداثة و موقفها من السنة، الحارث فخري عيسى عبد الله (ص 119).

[2] نقد الخطاب الديني، نصر حامد أبو زيد (ص 208).

[3] جناية البخاري: إنقاذ الدين من إمام المحدثين، زكريا أوزون (ص 14).

[4] السياسة بين الحلال و الحرام: أنتم أعلم بأمور دنياكم، تركي الحمد (ص 78).

[5] القراءة الحداثية للسنة النبوية "عرض و نقد"، د. محمد عبد الفتاح الخطيب، (ص 16).

[6] دراسات إسلامية معاصرة في الدولة و المجتمع، الدكتور المهندس محمد شحرور (ص 233).

[7] (وَ مِثْلَهُ مَعَهُ): أراد بذلك السُّنة التي أُوتي. انظر: (صحيح البخاري، لابن بطال (10/ 358).

[8] رواه أحمد في (المسند)، (4/ 130)، (ح 17213)؛ وأبو داود، (4/ 200)، (ح 4604). و صححه الألباني في (صحيح سنن أبي داود)، (3/ 117)، (ح 4604).

[9] أضواء على السنة المحمدية، (ص 51).

[10] رواه أحمد في (المسند)، (2/ 162)، (ح 6510)؛ و أبو داود، (3/ 318)، (ح 3646). و صححه الألباني في (صحيح سنن أبي داود)، (2/ 408)، (ح 3646).

[11] رواه أبو داود، (3/ 322)، (ح 3660)، و الترمذي، (5/ 33)، (ح 2356) و حسنه. و صححه الألباني في (صحيح سنن أبي داود)، (2/ 411)، (ح 3660).

[12] تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، (ص 155).

[13] انظر: العلمنة و الدين، محمد أركون (ص 46)؛ تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، هشام جعيط (ص 150)؛ النص القرآني أمام إشكالية البنية و القراءة، (ص 103).

[14] انظر: القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، (ص 84)؛ نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه و التوحيدي، محمد أركون، ترجمة: هشام صالح (ص 541)؛ السيرة النبوية الوحي و القرآن و النبوة، هشام جعيط (ص 46)؛ السنة و الإصلاح، عبد الله العروي (ص 114)؛ الحديث النبوي و مكانته في الفكر الإسلامي الحديث، محمد حمزة (ص 296).

[15] الحداثة و موقفها من السنة، (ص 126).

[16] انظر: سيرة ابن هشام، (2/ 404)؛ دلائل النبوة، للبيهقي (5/ 69).

[17] مفهوم النص دراسة في علوم القرآن، نصر حامد أبو زيد (ص 67).

[18] الأختام الأصولية و الشعائر التقدمية مصائر المشروع الثقافي العربي، علي حرب (ص 106).

[19] الإسلام و أصول الحكم بحث في الخلافة و الحكومة في الإسلام، علي عبد الرزاق (ص 62).

 


قراءة 149 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 12 تموز/يوليو 2022 15:53

أضف تعليق


كود امني
تحديث