قال الله تعالى

 {  إِنَّ اللَّــهَ لا يُغَيِّــرُ مَـا بِقَــوْمٍ حَتَّــى يُـغَيِّـــرُوا مَــا بِــأَنْــفُسِــــهِـمْ  }

سورة  الرعد  .  الآيـة   :   11

ahlaa

" ليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، و إنما المهم أن نرد إلي هذه العقيدة فاعليتها و قوتها الإيجابية و تأثيرها الإجتماعي و في كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم علي وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده و نملأ به نفسه، بإعتباره مصدرا للطاقة. "
-  المفكر الجزائري المسلم الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله  -

image-home

لنكتب أحرفا من النور،quot لنستخرج كنوزا من المعرفة و الإبداع و العلم و الأفكار

الأديبــــة عفــــاف عنيبـــة

السيـــرة الذاتيـــةالسيـــرة الذاتيـــة

أخبـــار ونشـــاطـــاتأخبـــار ونشـــاطـــات 

اصــــدارات الكـــــاتبــةاصــــدارات الكـــــاتبــة

تـــواصـــل معنــــــاتـــواصـــل معنــــــا


تابعنا على شبـكات التواصـل الاجتماعيـة

 twitterlinkedinflickrfacebook   googleplus 


إبحـث في الموقـع ...

ألبــــوم الصــــور

مواقــع مفيـــدة

rasoulallahaomabinbadisbassairveccosassalachihabbinnabilejeunemusulmansultan cerhso shamela wefaqdev iktab
الأحد, 01 تشرين1/أكتوير 2017 08:00

في ذكرى "اكتشاف" أمريكا: دور العامل الخارجي في نهوض أمتنا (1)

كتبه  الأستاذ محمد شعبان صوان من فلسطين الشقيقة
قيم الموضوع
(0 أصوات)
في ذكرى "اكتشاف" أمريكا: دور العامل الخارجي في نهوض أمتنا (1)

●ظروف الاستعارة الخارجية

عندما تلتقي أي جماعتين بشريتين على أرض واحدة ينشأ بينهما حوار حضاري إذ يتعلم كل منهما من الآخر ما يراه مفيداً لحياته، و إذا كان هذا الوصف صحيحاً في العلاقات السلمية كالسياحة و التجارة و الهجرات، فإنه صحيح أيضاً في مجال الصدامات إذ لا تمنع الحرب بين فريقين، و بخاصة إذا طال أمدها، عملية الاقتباس المتبادل بينهما، و إن كانت درجته تختلف حسب تفوق كل منهما، ذلك أن الطرف الأضعف مولع بتقليد الغالب كما أكد ابن خلدون، و قد عرفنا مثل هذه الحوارات في تاريخنا الإسلامي أثناء حروب الفرنجة الصليبية التي كانت مناسبة للتبادل الحضاري الذي كان نصيب الفرنجة منه أكبر بحكم التفوق الإسلامي، و الغزوات المغولية التي انتهت بإسلام الغزاة فكان ذلك ثغرة في القاعدة الخلدونية، و أيضاً أثناء الفتوحات الإسلامية حين لم يتردد المسلمون في تمثل الحضارات التي دخلوا أراضيها من موقع القوة و الاقتدار.

●بداية استعارة المسلمين

و بالعودة إلى الأصول نجد أنه عندما كانت الأمة الإسلامية في طور التكوين، و لم تكن بعد قوة دولية كبرى، نزل القرآن الكريم بكونه "مصدقاً لما بين يديه من الكتاب"، و لكن هذا لم يكن يعني الاستلاب للآخرين، فالإقرار بما سبق الإسلام، كان مصحوباً بالهيمنة عليه و تصحيحه، "و مهيمناً عليه"، رغم أن الظرف المادي لم يكن يساعد على هذا الكبرياء، إذ لم تكن الأمة فيه تتجاوز في أفضل الأحوال مدينة مهمة بين عدة مراكز حضرية أخرى في جزيرة العرب الواقعة بين قوى عظمى يمكن أن تكون التبعية لإحداها بميزان عصرنا و ذلك العصر أيضاً هي الخيار الأكثر أمناً و إغراء لقوة طموحة، كالمناذرة في الحيرة و الغساسنة في الشام و عرب اليمن أيضاً، و لكننا وجدنا زيادة على ما سبق من التميز أنه في الوقت الذي يقتبس فيه النبي صلى الله عليه و آله و سلم من الفرس آلية مقاومة الحصار بالخنادق، يبشر بفتح بلاد فارس و ليس بالانبهار بها مع علو الأصوات التي ترى استحالة تحقيق ذلك لأفراد لا يأمنون على أنفسهم الخلاء في ظرف الحصار العصيب، و رغم نجاح هذه الآلية، أي الخندق، في تحقيق النصر في تلك المعركة الفاصلة التي غيرت موازين القوى، فقد أدى ذلك إلى فتح الأبواب نحو مزيد من الانتصارات و مزيد من التطور الذاتي للمجتمع الإسلامي و ليس إلى الانبهار بالمصدر الحضاري الفارسي -الذي تم الاقتباس منه- و من ثم فتح باب التبعية له لو لم يكن المسلمون في تلك المرحلة على قدر من القدرة على التمييز بين ما يمكن نقله و ما لا يمكن، و كيف يمكن التعامل مع النقل و مصادره، و ذلك بفضل قائدهم المسدد بالوحي الذي يعلم الأجيال علماً لم نستطع تطبيقه على حوادثنا المعاصرة.

●الاستعارة في نهضة المسلمين الأولى

ثم في بداية نهوض الحضارة الإسلامية كان العالم اليوناني آفلاً بعد يقظته القديمة مما جعل الاستعارة منه و من غيره، كالفرس و الهنود الآفلين أيضاً، آمنة و غير قابلة للاستغلال من قوى خارجية هدامة، فلم يكن الإعجاب بفلسفة أرسطو مثلاً مؤدياً إلى صناعة طابور خامس أو أنظمة عميلة للإمبراطور البيزنطي الذي حاول النفاذ إلى المجتمع الإسلامي أثناء الفتنة الكبرى و لكن يقظة المسلمين و ضعف إمكاناته قطعا عليه الطريق، و رغم الجهود الهدامة التي كان يبذلها أتباع الحضارة البيزنطية داخل المجتمع الإسلامي، كدور سرجون بن منصور أبي القديس يوحنا الدمشقي، فإن ذلك كان يغلف بقناع الحرص على الدولة، كتحريضها على الإمام الحسين بن علي سلام الله عليهما، و لما قرر عبد الملك بن مروان تعريب الدواوين لم يستطع أمثال هؤلاء الاعتراض على القرار رغم آثاره السلبية بالنسبة لهم إذ سيوفر استقلالية للدولة الإسلامية عن الثقافة البيزنطية و سيجعل القيادة الإدارية للمسلمين.

●كوارث بيت المقدس و بغداد و غرناطة و انبعاث طائر العنقاء من الرماد

بعد سقوط بيت المقدس في أيدي الفرنجة تمكن المسلمون من الحفاظ على هويتهم ثم استعادة أرضهم و طرد أعدائهم، لم تؤد الخسارة أمام الفرنجة إلى ذوبان الأمة بل إلى استثارة الاستجابة للتحدي، و بعد سقوط بغداد و هزيمة الأمة الماحقة أمام الغزو المغولي، تمكن المسلمون من الحفاظ على هويتهم و استعادة بلادهم و استيعاب عدوهم الذي دخل في دينهم رغم انتصاره عليهم، فأدى التحدي إلى هزيمة المعتدي و دخوله الإسلام، و في نفس اليوم الذي اجتاح فيه بغداد ولد السلطان عثمان الذي سينشئ دولة تمتد أكثر من ستة قرون بين أراضي ثلاث قارات و تضفي الحيوية على عالم الإسلام، فلم تؤد الهزيمة أمام المغول إلى الذوبان بل إلى ذوبانهم هم في المسلمين، و بعد سقوط غرناطة حاول الموريسكيون الاستعارة ليس اختياراً حراً و لا إعجاباً منبهراً بل من أجل البقاء و للتأقلم مع أجواء الاضطهاد و الحفاظ على أنفسهم في محيط معاد، و لما تهيأ لهم من ينقذهم رحلوا إلى شواطئ المغرب فحافظوا على هويتهم و صاروا طليعة للعثمانيين في مقاومة عدوهم و صد عدوانه على بلاد الإسلام بفاعلية قل نظيرها، و بهذا خرج المسلمون من هذه الكوارث المطبقة بالحفاظ على هويتهم و وجودهم إما مع استعادة بلادهم و كسب عدوهم، أو باستعادة بلادهم و طرد عدوهم، أو بإنقاذ أنفسهم و التصدي لعدوهم، و كان البعث من كل هذه الكوارث مصاحباً للتمسك بالذات في مواجهة أعاصير الغزاة، و لما أعلنت حرية الدين في إسبانيا في النصف الثاني من القرن العشرين تبين أن هناك مسلمين كانوا متخفين إلى ذلك الوقت مدة خمسة قرون فأعلنوا عن هويتهم من جديد.

●صعود الغرب و خلل الميزان العالمي

و بحلول عصر الكشوف الجغرافية انطلقت أوروبا في القرن الخامس عشر و ما تلاه في آفاق العالم محاولة دعم مواجهتها مع عالم الإسلام فعثرت في محاولتها هذه على عوالم أخرى ما لبثت أن دخلت في مواجهات معها لاستنزاف مقدراتها، سواء لدعم دول المركز الأوروبي أو لتأسيس كيانات جديدة قائمة بنفسها في تلك الأصقاع ، و كانت المواجهة في القارة الأمريكية مع سكانها الأصليين نذيراً بما سيصيب بقية أنحاء العالم بعد ذلك سواء في استرقاق إفريقيا أو استعمار آسيا أو إبادة أستراليا أو تقسيم العالم الإسلامي و كل ذلك جرى نموذجه البدئي في القارة الأمريكية لأنها شهدت أول تطبيق لرؤية عالم النهضة الغربية و الأنوار الأوروبية و العقل الحديث على العوالم غير البيضاء، و من هنا كانت أهمية دراسة هذا الموضوع في التاريخ الحديث.

●الاستعارات في الصعود الإسلامي الثاني ثم التراجع

و لكن عندما اتجهت الحضارة الإسلامية للأفول صنع العثمانيون الأقوياء نهضة أخرى و لكنها اختلفت عن سابقتها بوجود أوروبا المتجهة للصعود مما جعل الاستعارة منها محفوفة بخطر الاستغلال الهدام، و هذا ما حدث، و لم يؤد المسلمون العثمانيون دوراً معرقلاً لنهضة الغرب التي استعارت من العالم الإسلامي لأن قوتهم لم تهيمن على معظم أوروبا و لأن "المتعاونين" معهم كالفرنسيين لم يخونوا القضية الصليبية رغم تحالفهم مع الدولة العثمانية كما خان قضيتنا فيما بعد المتعاونون مع الغرب، و لما اتجه المسلمون الضعفاء مرة ثالثة للنهوض بعد اصطدامهم بالغرب و محاولتهم صد عدوانه الذي بدأ باحتلال القرم و الحملة الفرنسية على مصر في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، كانت أوروبا في أوج قوتها مما جعل عملية الاستعارة منها مجيرة أكثر من المرحلة السابقة لمصالحها دون مصالحنا، فلم يؤد الإعجاب بالديمقراطية مثلاً إلى اقتباس بعض الإجراءات المفيدة منها لتطعيم و تجديد نظام الحكم عندنا بل إلى احتلال الغرب بلادنا تحت شعار الحضارة و الديمقراطية ثم تبعية أنظمة الحكم التي نصبها و التي انتهت إلى الاستبدادية الدموية و لم تطبق الديمقراطية مع كل ذلك.

●استحالة الاستنساخ بين المانع الطبيعي و العرقلة الغربية الأنانية

الخلاصة أن النقل ليس عيباً و لا النهضة مستحيلة: فعندما كنا أقوياء كان نقلنا عن الغير اقتباساً زاد في قوتنا، لاسيما مع تمسكنا بعقيدتنا هويتنا و تراثنا، و لكن عندما تحول النقل إلى نسخ دل ذلك على ضعفنا و لم يزدنا إلا انهياراً، و لا يظن أن الاقتباس الشامل أو الخضوع الكامل للقوي هما ما يمكن أن يؤدي إلى النهوض العام في زمن الضعف، و هذا ما ثبت عملياً في تجارب عدة أمم خضعت للغرب خضوعاً كاملاً و اقتفت آثاره اقتفاء حرفياً، و لا يهمنا بعد ذلك إن كان السبب هو استحالة الاستنساخ في مجتمعات بثقافات أخرى يحفزها دعاة النسخ الكربوني على التقليد الأعمى دون جدوى (كتركيا الكمالية التي ضرب بها أرنولد توينبي المثل في القدرة على البقاء في وجه الهلاك و كأنها، خلافاً لاستنتاجه، بضعفها و تبعيتها آنذاك النموذج الأمثل لفشل التبعية مع كونها السقف الأعلى للاستنساخ، بالإضافة إلى النماذج العربية الليبرالية)، أم كانت استحالة الاستنساخ بسبب عدم رغبة الغرب نفسه في تنمية غيره منعاً للمنافسة، و هو ما يرجحه نمو النموذج الياباني الذي حفزه الغرب بإخلاص نفعي على النمو لمناوأة المد الشيوعي في زمنه و لم يكرر ذلك فيما بعد، بل إنه أملى على المذعنين الآخرين شروطاً تختلف عما طبقه هو نفسه في تاريخه و حفزه على النهوض، فالغرب المسيطر، و في سبيل المحافظة على مصالحه الأنانية، حظر على بقية الأمم أن تسير في نفس الطريق الذي سار فيه و أن تطبق نفس الإجراءات التي طبقها لتحقيق الازدهار و الثراء (مثل تدخل الدولة الفاعل في حماية و تنظيم الاقتصاد و الحماية الجمركية و الهجرة المفتوحة و انسياب المخترعات) في نفس الوقت الذي يقدم فيه نفسه بصفته طريقاً وحيداً إلى هذه التنمية، و في الوقت الذي نمت فيه المجتمعات التي رفضت الطاعة العمياء أكثر من المجتمعات المطيعة، و هكذا فاستحالة التكرار واقعة في جميع الأحوال.

●الاستنساخ المستحيل بين الإذعان و التمرد

إن استنساخ التجربة الغربية غير ممكن سواء بالاتفاق مع الغرب إذ سيمنع الغربيون عنا أسباب القوة في حال إذعاننا لمصالحهم كما يثبت ذلك تاريخ المذعنين منذ نشوء الدولة القُطرية إلى اليوم، بالإضافة إلى تجارب مذعنة أخرى في تواريخ السكان الأصليين، زيادة على إذعان دول العالم الثالث لشروط المنظمات الدولية المالية، و لا هو ممكن بمعاداة الغرب إذ سيدمر التجربة من أصولها كما حدث في الحالات القليلة من التمرد الإسلامي و العربي الرسمي على الإمبريالية الغربية بعدما بدأ المتمردون مسيرتهم بالاتفاق مع الغربيين و الاقتباس المعجب بنموذجهم، و لعل نموذج جمعية الاتحاد و الترقي التي نشأت في أحضان الغربيين متماهية مع أفكارهم و انتهت بإعلان الحرب الكبرى الأولى على أطماعهم خير دليل على ذلك، كما لا ننسى نموذج حكم الوفد المصري الذي انتهى بإعلان طلاق الإنجليز في نهاية العهد الملكي، ثم التجربة الناصرية و ثورة تموز العراقية.

●الأواني المستطرقة لم تعمل إلا في أوروبا

 كما أن الاستنساخ في حد ذاته غير ممكن في الأصل أيضاً كما أثبت استيراد الحلول الجاهزة منذ عهد التنظيمات الخيرية العثمانية التي أدت إلى عكس المراد من تطبيقها فأدت إلى تسهيل التدخلات الأجنبية مع أن هدفها كان منعها و التصدي للغرب بقوته، فنفرت المجتمع منها بالإضافة إلى أن الغرب كان يعرقل تطبيق ما يضره منها، مثل حماية الصناعات المحلية و الحد من الامتيازات الأجنبية و تطبيق المساواة أمام القانون و تعميم التجنيد الإجباري على الأقليات، كما تنفر المجتمعات الحائرة اليوم بين طريق الغرب الأصلي و الطريق المختلف الذي يمليه على الآخرين، كما كان و مازال عهده دائماً، و يجب أن نلاحظ أن جميع التجارب الأوروبية و الأمريكية المستشهد بها على صلاحية الحداثة تطورت تطوراً ذاتياً في محيط حصري مغلق عمل في داخله كالأواني المستطرقة التي يستفيد الجميع فيها من ميزة تنمية الجوار، و مع ذلك فهناك تفاوت ملحوظ بين المراكز الأوروبية، كما كان لها كلفتها الباهظة غير القابلة للتعميم و لا للتكرار.

●استحالة تعميم النتائج الغربية

  إذ في عالم اليوم يملك 20% من سكان العالم، و هم سكان الشمال الغني، أكثر من 80% من موارده، أما بقية البشرية (80%) فيستهلكون الخُمس المتبقي من الموارد، في الوقت الذي يملك 60% من سكان العالم، في الجنوب الفقير، 6% من هذه الموارد فقط، بل إن الخُمس الأفقر من سكان العالم يمتلكون أقل من واحد و نصف في المائة من الموارد، و من الطبيعي أن يكون هذا النموذج الاستهلاكي الغربي غير قابل للتعميم على سكان الكرة الأرضية خلافاً لما تروجه وسائل الإعلام من أحلام مستحيلة إلا في حالة وجود عدة كواكب أخرى مماثلة لتزويدنا بموارد إضافية كالتي أنتجت الحداثة الغربية بغزو و إبادة قارات كاملة و استرقاق أخرى و استعمار غيرها و نهب الآخرين و فرض التخلف عليهم، بالإضافة إلى كواكب أخرى للتخلص من النفايات، و كان الاتحاد السوفييتي بكل إمكاناته الضخمة قد حاول اللحاق بمستوى الاستهلاك الغربي، في انحراف عن الفكر الاشتراكي، فكانت النتيجة أن استُنزفت إمكاناته و وصل إلى طريق مسدود انتهى بتفككه و زواله، فكيف ببقية الدول الفقيرة؟

●علاقة الغرب الجديدة بالعالم منذ بداية "العصر الحديث" و العامل الثابت فيها

في يوم 12 أكتوبر/ تشرين الأول 1492 وصلت الحملة الإسبانية التي رخصها الملكان فرديناند و إيزابيلا إلى شواطئ الكاريبي في أمريكا في نفس العام الذي أسقطا فيه آخر معاقل المسلمين في الأندلس، و كان يقود الحملة التي رفضها عدة زعماء أوروبيين، كريستوفر كولمبس، و هو من مدينة جنوة الإيطالية، لتدشن هذه الحملة اكتشاف الأوروبيين للعالم الجديد و هو ما صار يعرف باكتشاف أمريكا في تحد واضح للواقع حيث كان الملايين من البشر يقطنون هذا العالم قبل وصول كولمبس، كما وصله الكثيرون من العالم القديم قبله أيضاً، و لكن المركزية الأوروبية لم تكن تعترف بغير إنجازاتها، فأوروبا هي العالم و ما تعرفه هو المعروف و ما تجهله هو المجهول، فلا قيمة لغيرها و لا رأي لغيرها، و كان انطلاق كولمبس و وصوله إلى "العالم الجديد" بعد سقوط حكم المسلمين في غرناطة بأشهر في نفس ذلك العام الذي دشن "العصر الحديث" و منه علاقة جديدة للغرب الأوروبي ببقية العالم كان منطلقها في البداية محاولة الالتفاف على سيطرة المسلمين بدولتهم الكبرى آنذاك على القسطنطينية و طرق التجارة، و في نفس الوقت البحث عن موارد لتمويل محاولات احتلال بيت المقدس مرة أخرى بعد فشل حروب الفرنجة، و شهدت تلك العلاقة الأوروبية-العالمية تقلبات و مآسي شتى على نطاق واسع كالغزو و الإبادة و الاسترقاق و نشر المخدرات و فرض التخلف و الاستعمار العسكري القديم ثم نظيره الجديد بأدواته الدولية و المحلية السياسية و الاقتصادية و الثقافية مع ظاهرة العودة إلى الاحتلال العسكري أحياناً، و في كل ذلك كان يبدو واضحاً التفاوت الشديد حيث العالم الذي صنعه الأوروبي لنفسه على حساب بقية العالم الآخر الذي يعيش فيه الملونون، و هي المعادلة المستمرة إلى اليوم في زمن الحرية و الاستقلال و تقرير المصير و الديمقراطية و الإنسانية و العلم و العلمانية، و لهذا يبدو أن عاملاً ثابتاً منذ البداية إلى اليوم رغم التغيرات الجذرية في الأنظمة الأوروبية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، هذا العامل هو النهب.

●مراحل النهب و ذرائعه

النهب هو العامل الأكثر ثباتاً في التاريخ الغربي منذ فجر النهضة الأوروبية إلى اليوم، و بين نقطة البداية و نقطة النهاية مرت كثير من الظواهر و اختفت ظواهر و ظل النهب ثابتاً لم يتغير، انطلقت الكشوف الجغرافية في سبيل المعادن الثمينة و طرق التجارة، انتشرت القرصنة للنهب،  و لأجل النهب بدأت الإبادة في العالم الجديد، كان السكان الأصليون في الأمريكتين و أستراليا عائقاً في وجه حصول الرجل الأبيض على أراضيهم، و هي سبب الهجرة و الاستيطان، لم تكن الإبادة المليونية مجرد ولع بالقتل، بل قتل لأجل نهب مورد حيوي هو الأرض كما في أستراليا و شمال أمريكا، أو المعادن الثمينة كما في جنوبها، ثم بعث الرق من الرميم بعدما كان متجهاً إلى الاندثار في سبيل وسيلة جديدة للنهب: استغلال عمل الأفارقة في استنبات العالم الجديد، و في سبيل نقلهم من إفريقيا إلى الأمريكتين بوسائل اقتصادية تمت إبادة الملايين منهم في عمليات الأسر و الإبحار، لم يكن إفناؤهم كالهنود الحمر مطلوباً، بل استغلالهم بأكثر الطرق ربحاً، و لهذا تم قتل ما يلزم لذلك و استرقاق الناجين، ثم صار الرق عائقاً في وجه التمدد الرأسمالي في بيئة شمال أمريكا غير الملائمة للرق الزراعي، فشن الحرب الضروس على الجنوب الزراعي بحجة حرية الرقيق و لكن الهدف كان هيمنة الرأسمالية الصناعية التي اجتاحت القارة و قضت على حرية السكان الأصليين، رغم ادعائها الحرص على الحرية، و انطلقت بعد السيطرة على كامل القارة لنهب العالم الخارجي، و باسم القضاء على الرق في العالم ظهر الاستعمار الأوروبي وسيلة أخرى للنهب، و باسم إزالة الاستعمار القديم الذي قامت به الجيوش الأوروبية المسلحة ظهر الاستعمار الأمريكي الجديد بالعملاء، لم يكن الاستعمار مجرد رغبات سادية في الإيذاء و القتل بل رغبة جامحة في النهب بالحصول على الموارد الأولية و تسويق البضائع المصنعة، و في سبيل ذلك ارتكب المستعمرون شتى أنواع الجرائم التي حصدت الملايين سخرة كما فعلت بلجيكا في الكونغو، أو جوعاً كما فعلت بريطانيا في الهند، أو قمعاً كما فعلت فرنسا في الجزائر، و لأجل محاربة تجارة الرقيق و القرصنة ظهرت قرصنة أوروبية أوسع في انتشار الأساطيل في بحار العالم، و لأجل تبرير نهب الآخرين تزاوجت الحرية مع العنصرية لتبرر الاستيلاء على أرض الهنود و عمل العبيد و استثناءهم من جنة الحرية البيضاء، و لأجل نهب الآخرين نادوا بحرية التجارة كي يسهلوا انسياب بضائعهم للعالم حتى لو شنت الحرب لأجل نشر الأفيون، و لكن لما تسير التجارة في الاتجاه المعاكس من الفقير إلى الغني تتوقف حرية التجارة و ترتفع الحواجز الجمركية، لأجل النهب أيضاً، و في سبيل النهب ادعى الغربي أنه ينشر الحضارة بين المتخلفين، و لكن الحضارة ستجعلهم عمالقة منافسين و لهذا حجب عنهم مدنيته ليسهل عليه نهبهم، و لكن عندما احتاج إلى تمدين بعضهم للوقوف في وجه غريمه الشيوعي بذل الحضارة بسخاء لليابان، ثم نشر التمدين بعيار محدود ليتمكن العالم من استهلاك منتجاته دون القدرة على منافستها، و في سبيل نهب النفط فضل التعامل مع أنظمة تقليدية يسخر هو من تخلفها و لكنه يفضلها على أنظمة حديثة على شاكلته، و ربما شن الحرب على المحدثين للحفاظ على ملك التقليديين.

●استغلال أي فكرة تدعم النهب

و لأجل الهيمنة على منظومة النهب استخدم الدين و الأساطير القديمة لإحياء عظام بني إسرائيل من الرميم رغم دعاواه العقلانية العلمانية، و لأجل السبب نفسه و هو الحفاظ على منظومة نهبه للعالم دعم استبداديات عاتية و دكتاتوريات دموية رغم معتقداته الديمقراطية، و سرعان ما يستخدم الذريعة الديمقراطية لتحطيم أي مستبد حصل على دعمه الطويل لو فكر بالخروج عن مسار أوامر الغرب و تعليماته، ليأتي بمسخ ديمقراطي أكثر استبداداً و دموية ليغرس علاقات نهب مستقرة، اختفت العنصرية رسمياً و انتهى الاستعمار القديم و اختفت القرصنة و لكن النهب استمر لأن الاحتلال رحل و لكن التبعية استمرت بعدما أحل وكلاءه من السكان المحليين يقدمون له الإتاوة و يفتحون الأراضي لقواعده و يحرسون مصالحه و يستأذنونه في قراراتهم و يشنون الحروب بالنيابة عن جنوده بعدما كانوا في البداية يتلقون هم الإعانات السخية ليكونوا أدوات هدم الكيان الموحد في بلادنا، الذي دافع عنها قروناً ضد الغزاة الذين يطمعون في الموارد و المواقع و الطرق، إلى أن أنهكته الجراح، و كانت الإعانات للأدوات أيضاً لتثبيت كياناتهم الانفصالية التابعة، فما جدوى الاستعمار القديم بعد كل هذا؟ لقد كنس الأمريكيون المستعمرين الأوروبيين و احتلوا أمكنتهم ليستطيعوا نهب ما كان ينهبه أسلافهم، فقنع سادة الماضي بما تبقى لهم، و لم يرسل الأمريكيون جيوشهم إلا قليلاً، تركوا الأعمال القذرة للعملاء الوطنيين يقومون بها نيابة عنهم بأيدي أبناء البلاد، صارت المؤسسات النقدية الدولية هي أدوات النهب الجديد بلا دماء و لا قتال و لا عراك، ثم استدرجهم إغواء الماضي و غطرسة القوة لتقليد الاستعمار الأوروبي القديم بل تقليد حروب الفرنجة الصليبية و إرسال الجيوش الجرارة و لكنهم تلقوا دروساً جعلتهم يدركون أن الزمن لم يعد زمن الفرسان الصليبيين، فباتوا مهزلة في غير زمنها كالفارس النبيل دون كيخوتي دي لا مانتشا.

●شرعية النهب

أقام الغرب نظاماً عالمياً بمنظمات عالمية تشرع احتكاره القرار في مجلس الأمن و قوانين دولية تضفي الشرعية على ممارساته الاحتلالية و رغباته السياسية و مطامعه الاقتصادية حتى لو كانت عنيفة و غير قانونية و تصم الخارج عن مصالحه و المتمرد على إرادته بالإرهاب حتى لو كان مدافعاً عن حياته و ماله و أرضه و عرضه، يشن الحرب عليه لأجل نهب موارده تحت راية "الشرعية الدولية" و لكن الحقيقة هي السرقة الدولية، و العالم ينصاع بإرادته دون قوة جبر، هذا حال كل التدخلات العسكرية الغربية ضد المتمردين، حرب حين اللزوم ثم عملية سلام حسب الطلب، الحرب باسم الديمقراطية و السلام بنفس الذريعة أيضاً، و لكنها كلها ذرائع و أقنعة لإخفاء واقع النهب، تكون مأساة فيتنام مبرراً للسلام تارة و تارة أخرى تكون حافزاً لدخول حروب جديدة لإزالة أعراض العقدة القديمة، و هكذا رأينا الرق جاء و ذهب، و جاءت القرصنة و ذهبت، و الاستعمار القديم جاء و ذهب، و التمدين جاء و ذهب، و العنصرية تأتي و تذهب، و التجارة الحرة تأتي و تذهب، و نشر الأفيون يأتي و يذهب، و الحروب تأتي و تذهب، و الديمقراطية تأتي و تذهب، و العلمانية تأتي و تذهب، و الذرائع كثيرة و متعددة، و النهب هو القاسم المشترك، حتى "المساعدة" ليست مجانية و لا تقدم إلا للابتزاز المالي أو السياسي و تأتي أو تذهب لنفس الغاية، أي للنهب أيضاً.

●أنظمة النهب العالمي

و نظام عالمي إثر نظام عالمي منذ صلح وستفاليا 1648 إلى نهاية حروب نابليون 1815 إلى نهاية الحرب الكبرى الأولى و إنشاء عصبة الأمم 1919 إلى نهاية الحرب الكبرى الثانية و إنشاء الأمم المتحدة 1945 إلى انهيار المعسكر الشرقي و الانفراد الأمريكي بالعالم 1991 ، كلها عمليات تقسيم غنائم بين المنتصرين، هناك مستعمرون كبار و مستعمرون أصغر، لم يكن المستعمر الصغير كبلجيكا و هولندا أنظف من الاستعماريين الكبار، و لكنه عمل على قدر استطاعته و بما تسمح به إمكاناته الأقل من غيرها بين الكبار، فالثابت الوحيد هو النهب: و كما بدأت الكشوف الجغرافية بالبحث عن الغنائم انتهى الحال بعد هذه الدورة الطويلة باحتكار 20% من سكان العالم 80% من موارده، بهدوء و سلاسة و قانون و نظام بل و رجاء من الضحية المتضررة بقاء هذا الخلل بدلاً من الحروب و المقاومة و الاستعمار و التحرير، لماذا يسفك الدماء من أجل الهيمنة على ثروة الأمم كالنفط مثلاً و هو يستحوذ عليه بعلاقات "قانونية" فيسير اقتصاده و مصانعه و شوارعه و يبيع بالثمن الباهظ أو البخس الذي يقبضه الملاّك بضائع مصنعة لهم ثم يحتفظ بالفوائض في بنوكه و استثماراته؟

●النهب من الفقراء

و لو نظرنا إلى إفريقيا سنجد النهب منها أيضاً، ففي مثل صارخ نجد في ليبيريا أكبر مزارع المطاط في العالم و موارد من أضخم خامات الحديد بالإضافة إلى الأخشاب و الذهب و الألماس و لديها ثاني أكبر أسطول بحري و أعلى نسبة من الاستثمارات الأجنبية في العالم، و لكن في مقابل كل ذلك، و في مقابل كونها في زمن من أسرع الاقتصاديات نمواً في العالم و كانت لبرهة تلي اليابان مباشرة (!) نجد على أرض الواقع  أن ليبيريا من أفقر الدول في العالم و متوسط دخل الفرد فيها هو ثالث أدنى دخل في العالم و يعيش ما يقارب من 85% من السكان تحت خط الفقر الدولي، و ديونها ضخمة جداً تصل أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، و عانت من أسرع عمليات الهبوط الاقتصادي في التاريخ في أثناء حروبها الأهلية التي نتجت عن تركيبتها السكانية الاستعمارية غير المتجانسة، كل ذلك تم تحت شعارات تحرير و عودة الرقيق الأمريكيين إلى وطنهم و الذين أصبحوا نخبة سادة استعماريين يهيمنون على السكان الأصليين في غرب إفريقيا و قاعدة للنفوذ الأمريكي في مواجهة الأفارقة و نفوذ الدول الأوروبية، كما صار الصهاينة في فلسطين تحت نفس الشعارات، تحرير اليهود و عودتهم، و باسم التجارة الحرة و الباب المفتوح يصبح بلد ثري جداً في قاع الفقر العالمي نتيجة النهب الأجنبي، تحت شعارات حديثة و ليبرالية، و لا نعجب أن صار شعار المساعدة أيضاً وسيلة للنهب، فباسم تقديم الأموال و المساعدات للدول الفقيرة صار ما يخرج من مواردها أكثر مما يدخل إليها، و لا يتوقف النهب حتى في زمن الجوع و الفاقة إذ تذهب الموارد الكافية لسد حاجات جيوب المتخمين بدلاً من إطعام الجائعين، فلا عجب بعد ذلك أن نعلم ان موارد الأرض تتركز في أيدي حفنة من البشر، لا لقلتها بل بسبب الطمع و الجشع و الأثرة و المنفعة و المصالح التي أطلقت الرأسمالية بمراحلها المختلفة، من "دعه يعمل دعه يمر" إلى الإمبريالية فالعولمة، عقال غرائزها في البشر.

●المسكوت عنه في خطاب "صدام الحضارات"

اكتسب كتاب "صدام الحضارات" لصموئيل هنتنغتون (1996) سمعة سيئة بسبب تأسيسه لرؤية جديدة للصراعات العالمية تقوم على الانقسامات الثقافية التي تكوّن الحضارات المختلفة في العالم و ذلك بعد نهاية الحرب الباردة بين الأفكار الماركسية و الرأسمالية، و دعوته إلى تكريس الهيمنة الغربية و الدفاع عن مصالح الحضارة الغربية في مواجهة تقدم الحضارتين الإسلامية و الصينية لضمان المحافظة على الهيمنة الغربية، و لكن الاطلاع على ثنايا ما تضمنته هذه النظرية يفتح آفاقاً يمكن للواقف في مواجهة هذا الخطاب العدواني أن يتسلح بها لاسيما أن الاعتراف بها يأتي من مرجعية لاشك في تعصبها و في ذلك ما يغني عن مراجعات أخرى أقل عدوانية، و من ذلك:

قراءة 212 مرات آخر تعديل على الجمعة, 06 تشرين1/أكتوير 2017 07:19

رأيك في الموضوع

{ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18