قال الله تعالى

 {  إِنَّ اللَّــهَ لا يُغَيِّــرُ مَـا بِقَــوْمٍ حَتَّــى يُـغَيِّـــرُوا مَــا بِــأَنْــفُسِــــهِـمْ  }

سورة  الرعد  .  الآيـة   :   11

ahlaa

" ليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، و إنما المهم أن نرد إلي هذه العقيدة فاعليتها و قوتها الإيجابية و تأثيرها الإجتماعي و في كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم علي وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده و نملأ به نفسه، بإعتباره مصدرا للطاقة. "
-  المفكر الجزائري المسلم الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله  -

image-home

لنكتب أحرفا من النور،quot لنستخرج كنوزا من المعرفة و الإبداع و العلم و الأفكار

الأديبــــة عفــــاف عنيبـــة

السيـــرة الذاتيـــةالسيـــرة الذاتيـــة

أخبـــار ونشـــاطـــاتأخبـــار ونشـــاطـــات 

اصــــدارات الكـــــاتبــةاصــــدارات الكـــــاتبــة

تـــواصـــل معنــــــاتـــواصـــل معنــــــا


تابعنا على شبـكات التواصـل الاجتماعيـة

 twitterlinkedinflickrfacebook   googleplus 


إبحـث في الموقـع ...

  1. أحدث التعليــقات
  2. الأكثــر تعليقا

ألبــــوم الصــــور

مواقــع مفيـــدة

rasoulallahaomabinbadisbassairveccosassalachihabbinnabilejeunemusulmansultan cerhso shamela wefaqdev iktab
الأحد, 08 نيسان/أبريل 2018 11:37

في ذكرى الحملة الصليبية الرابعة ضد بيزنطة: القسطنطينية بين فتحين 2

كتبه  الأستاذ محمد شعبان صوان من فلسطين الشقيقة
قيم الموضوع
(2 أصوات)
في ذكرى الحملة الصليبية الرابعة ضد بيزنطة: القسطنطينية بين فتحين 2

و قد ظلت القسطنطينية "فترة طويلة أعظم مدينة عائلية على الإطلاق، فقد أنتج تفاعل العائلة العثمانية مع القسطنطينية، العاصمة الوحيدة في العالم التي كانت عاصمة على المستويات جميعها: السياسي و العسكري و البحري و الديني، الإسلامي و المسيحي على حد سواء، و الاقتصادي و الثقافي و فن الطعام"[ii]) أصبح كل القتال و النهب و الفواجع و التخريب في عداد التاريخ[iv].

ثم شجع الفاتح الهجرة إلى المدينة "لإعادة إعمارها" حيث كادت أن تصبح خاوية، و دعا اليونانيين الهاربين إلى العودة و منحهم مساكن في منطقة الفنار المحيطة بقصر البطريرك، و لم يسمح لهم بتقلد المناصب الحكومية و لكنهم صاروا عمالاً و تجاراً و صيارفة "و عاشوا بسلام"، "و نقلت قرى كاملة من أراض أجنبية لتستقر في المدينة مع سكانها من الصرب و البلغار و الأرمن"، و استمرت الإدارة التي نظمها الفاتح إلى القرن التاسع عشر "و أصبحت القسطنطينية مدينة عظيمة مجدداً و لكنها كانت هذه المرة مسلمة لا مسيحية، و عاصمة للشرق"[vi].

و لكنه يضع العثمانيين في سياق المقارنة بزمنهم و يبين المآل المشرق للقسطنطينية في زمن السلطان سليمان القانوني، فتحت عنوان "الحضارة العثمانية" قال إن الانطباع بأن العثمانيين كانوا متوحشين همجاً مقارنة بالمسيحيين ليس إلا وهماً كان القصد منه إطراء الذات، فأساليب الزراعة لدى العثمانيين و علومهم كانت في أسوأ الأحوال تضارع ما كان موجوداً في الغرب، و تمتع المسيحيون و اليهود بقدر كبير من الحرية الدينية، و لأن التوتر بين الكاثوليك و الأرثوذكس أفاد العثمانيين، فقد احتضن السلطان محمد الفاتح الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية عمداً، و يحتمل أن شوارع القسطنطينية العثمانية خلت من حوادث القتل أكثر من أية عاصمة أوروبية أخرى، و فضلت الأقاليم المسيحية التي وقعت تحت الحكم العثماني مثل رودس و اليونان و البلقان، هذا الحكم على أحوالها السابقة تحت حكم فرسان القديس يوحنا في رودس و البيزنطيين في اليونان و البنادقة في البلقان، و حتى المجر نفسها رأت أن أحوالها في ظل سليمان القانوني أفضل مما كانت عليه في أيام الهابسبورغ.

و تحت عنوان الأخلاق كتب ديورانت إن التشريع التركي كان صارماً في الحرب خصوصاً، و مع ذلك فإن كثيراً من المدن التي استولى الأتراك عليها نهضت أكثر من المدن التي استولى عليها المسيحيون من الأتراك، و يمكننا أن نسرد في هذا المجال ما أورده عن احتلال الإمبراطور شارل الخامس لمدينة تونس سنة 1535 حيث قال إنه دخل المدينة دون مقاومة و أباح لجنوده السلب و النهب لمدة يومين حتى لا يتمردوا، فلقي آلاف المسلمين حتفهم، و دمرت حصيلة قرون من الفنون في يوم أو يومين، و تم تحرير الأرقاء المسيحيين و وقع من بقي من المسلمين في براثن العبودية.

و تحت عنوان "سليمان نفسه" كتب يقول إن السلطان سليمان لم يكن مهيباً أو عظيماً في مظهره، بل في حجم تجهيزات جيوشه و اتساع حملاته و زينة عاصمته و في تشييد المساجد و القصور و القناطر، كان عظيماً في روعة كل ما يحيط به و في حاشيته، ثم عظيماً في قوة حكمه و فيما حققه، و لأول مرة يضم حكم إسلامي واحد مدناً عظيمة دفعة واحدة: قرطاجة، ممفيس، صور، نينوى، بابل، تدمر، الإسكندرية، القدس، أزمير، دمشق، أفسوس، نيقية، أثينا، طيبة المصرية و طيبة اليونانية، و رغم تسرب الانحلال و الفساد في الحكومة فقد قال مارتن لوثر رائد الإصلاح الديني البروتستانتي إنه مما يقال إنه ليس هناك حكومة زمنية أفضل من حكومة الأتراك.

و في مجال التسامح كان سليمان أجرأ و أكرم من أنداده المسيحيين الذين سعوا لتوحيد المذاهب داخل دولهم، و لكن سليمان رخص للمسيحيين و اليهود بممارسة ديانتهم في حرية تامة، و كانت عيوب سليمان في علاقاته العائلية أكثر من عيوب حكومته، و مع ذلك لم نسمع عنه أنه كان يلازم الحريم إلى الحد الذي يضعف صحته و قوته (نقطة هامة لمن يعتنق الصورة الإعلامية عن السلطان من المسلسلات التلفزيونية الرائجة)، و رغم الأخطاء التي ارتكبها و التي تلازم عادة السلطة المطلقة، فإنه كان "أعظم و أقدر حكام عصره دون منازع"[viii].

و يؤكد أكثر من مؤرخ ذلك، فيقول الأستاذ ألبرت حوراني: "و قد نمت استنبول بالمقارنة من مدينة صغيرة في الفترة الواقعة مباشرة قبل الاحتلال العثماني لتصبح بعده مدينة تعد 700 ألف نسمة في القرن السابع عشر، و قد كانت أكبر من أكبر مدن أوروبا مثل نابولي و باريس ولندن"[x].

و تقول موسوعة تاريخ العالم إن السلطان محمد الثاني حاصر القسطنطينية 54 يوماً ثم دخلتها قواته، و كانت في ذلك الوقت مدينة مهملة تراجع عدد سكانها إلى 50 ألف نسمة، و لكن العثمانيين شرعوا في حملة رسمية ضخمة لإعادة إسكانها و بنائها، و شجعوا أو أجبروا الآلاف من السكان الجدد على إعادة الاستقرار فيها، و رمموا و طوروا البنية الأساسية في المدينة كالطرق و الجسور و الأسوار و الأسواق و إمدادات المياه، و بأمر من السلطان، قام المسئولون الحكوميون الكبار بتأسيس المئات من المدارس و المساجد و سبل المياه و غيرها من المنشآت العامة التي أوقفوا لها ممتلكات خاصة ضخمة للإنفاق على الحفاظ عليها على المدى الطويل، و بهذا برزت المدينة بصفتها أكبر المراكز المدنية في المشرق و أكثرها تألقاً، و قد وصل عدد سكانها إلى 400 ألف قبل القرن التاسع عشر، و كان حوالي 45% منهم من غير المسلمين (الغريب أن يحول بعض "التقدميين" هذا المظهر الإيجابي من التسامح الإسلامي إلى دليل على عدم إسلامية الدولة العثمانية حيث "معظم" سكان عاصمتها من غير المسلمين، و بهذا يحاولون فرض مقاييس مرفوضة إسلامياً على تاريخه لمجرد الرغبة في وصمه، دون استشارة أصحاب الشأن أنفسهم، متناسين في الوقت نفسه أن صفة الاحتكار الفكري أكثر التصاقاً بواقع التاريخ السوفييتي الشيوعي الذي صفى كل معارضيه حتى من داخل المدرسة الماركسية نفسها)، و في السنة التالية للفتح (1454)، أعاد السلطان الفاتح للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية جميع امتيازاتها التقليدية، مانعاً كل الهيئات الكاثوليكية اللاتينية في دولته[xii].

و تذكر المؤرخة ثريا فاروقي أن هذا الوضع لم يتبدل إلا في أواخر القرن الثامن عشر نتيجة سخط رعايا الدولة العثمانية الأرثوذكس من عدم قدرة الحكومة على حماية الشعب الذي تفرض عليه الضرائب، و ذلك بعد الهزائم العثمانية أمام الروس في تلك الفترة، "مما جعل الكثير منهم أكثر ميلاً إلى ربط مصيرهم بجيوش الإمبراطورية الروسية مما كان عليه الحال في الفترات السابقة"[xiv].

(لتفاصيل أكثر عن مكانة القسطنطينية بعد الفتح و إعادة حقوق أهلها و مكانة المدينة العثمانية في كتابات الغربيين يمكن مراجعة الكتابين المفصلين للمؤرخين برنارد لويس (استنبول و حضارة الخلافة الإسلامية) و فيليب مانسل (القسطنطينية المدينة التي اشتهاها العالم)).

3-كيف انتهت التعددية؟

بقي بعد ذلك أن نتساءل: كيف قضي على هذه التعددية السكانية و الثقافية؟ الجواب هو أن قومية كمال أتاتورك العلمانية هي التي قامت بالتطهير العرقي، و في ذلك يقول المؤرخان فيليب فارج و يوسف كرباج إن ثلاثة ملايين مسيحي سوف يدفعون ثمن تصادم القوميات و ميلاد تركيا الحديثة و تقلبات السياسات الغربية الأمريكية و الفرنسية و البريطانية التي تخلت عنهم بعد القيام بإثارتهم، و الروسية التي تبدل وجهها بعد الثورة البلشفية، و دفع اليونانيون على وجه الخصوص ثمن طموحات الحكومة اليونانية الزائدة عن الحد و المدعومة بقوات الحلفاء بعد الحرب الكبرى الأولى، و رغم الأفول الذي تعرض له اليونانيون لصالح الأرمن في اسطنبول و الأناضول بعد استقلال اليونان (1830)، فإنهم استمروا في الدولة العثمانية لقرن بعد ذلك و فضلوا ازدهارهم فيها على حريتهم في اليونان، بل سنجد هجرة من اليونان إلى دولة الخلافة تعزز مواقعهم حيث كان القادة العثمانيون يريدون الحفاظ على البنية متعددة القوميات، أما مصطفى كمال أتاتورك فكان أقل كرماً، و في سبيل تحقيق التجانس القومي الذي لم تستطع جمعية الاتحاد و الترقي تحقيقه تم الطرد السكاني المتبادل بين اليونان و تركيا (1923)، و الذي لم يكن طرد يونانيين من تركيا و أتراك من اليونان بل طرد أتراك مسيحيين من تركيا و يونانيين مسلمين من اليونان، و استمر نزيف اليونانيين و بقية الأقليات من تركيا، و منها الجماعة العربية المسيحية بعد المنحة الفرنسية (الاسكندرونة) لتركيا عشية الحرب الكبرى الثانية، لمدة عشرات السنين بعد سنة 1923 في ظل الإجراءات الاقتصادية المتحيزة و الحملات الصحفية العنصرية، "و بدلاً من تحقيق السكينة لآخر الباقين من الأقليات، التي اعتادت على مدار عدة قرون على الاستقلال الذاتي الإداري و الديني في ظل نظام الملل، أدت العلمانية إلى تشديد هشاشة وضعهم"، و مع إلغاء الخلافة الإسلامية يُطرد البطريرك اليوناني الأرثوذكسي المقيم في اسطنبول، و تُغلق الجمعية الأدبية اليونانية و المدارس اليونانية، أو يعين عليها مدراء و مدرسون أتراك.

"و من بين جميع الكوارث التي ميزت تاريخ الجماعة المسيحية في بلاد الإسلام منذ الهجرة (النبوية)، فإن السنوات العشر التي اختفت خلالها الجاليتان الأرمنية و اليونانية من تركيا، بين عامي 1914 و 1924، كانت الأكثر جسامة، إن التكلفة البشرية، 3 مليون نسمة، و المذبحة و المفاجأة غير المتوقعة، قد قطعت بشكل حاسم مسار التاريخ الإسلامي، و المفارقة الأولى هي أن اختفاء المسيحيين يخالف التطورات التي ترتسم معالمها، فالواقع أنه قد حدث في ظل نظامين عصريين، نظام جماعة تركيا الفتاة و النظام الكمالي، اللذين كانا مفعمين بالروح العلمانية (و هناك من جادل بأن قادة الاتحاد و الترقي كانوا من الملحدين و أن معركتهم مع المسيحيين كانت قومية لا إسلامية)، و اللذين شكلا بديلاً راديكالياً لسلطة أضفت الشرعية على الإسلام، و لم يكن هناك ما يسمح في اتجاهات ديموغرافيا المسيحيين بالتنبؤ باختفائهم...و المفارقة الثانية هي أن الإسلام الظافر كان يتفاخر بحياة مشتركة مع المسيحيين و اليهود، أما إسلام زمن الانحطاط...فإنه يكبتهم....لا مراء في أنها (الإمبراطورية) قد قدمت بنية فريدة قادرة على ضمان السلم الأهلي، و قد استفادت من ذلك ديمغرافية الطوائف المسيحية و اليهودية، و قد شهدت نمواً طبيعياً أكثر ارتفاعاً بفضل نظام الملل....و كان المسيحيون ضحايا لإفقار الشعب التركي، كما كانوا، بلا مراء، ضحايا المشاعر المتناقضة التي حفزها لدى هذا الشعب النموذج الغربي".

"و الحال أن السلطان، الذي يخضع جماعات سكانية مسيحية متزايدة العدد بلا توقف، لا يجبرها على التحول إلى اعتناق الإسلام، بل يشركها في السلطة، و سوف يكفي عقد واحد، بين عامي 1914 و 1924، حتى تتوصل الدولة العلمانية المولودة من حطام الإمبراطورية إلى تدمير هذا البنيان لحساب أمة تركية و مسلمة فقط، إن ألف سنة من التاريخ المتعدد الطوائف سوف يجري محوها في عشر سنوات"، و سوف تلجأ السلطة العلمانية إلى أساطير النقاء العرقي، و التي يرفضها الإسلام رفضاً قاطعاً، لتبرير مواقفها الاستئصالية على عادة الأنظمة العلمانية الشاملة كالنازية و الفاشية و الصهيونية.

و لم يعد في تصور الأجيال اللاحقة أن الأناضول الحالي كان لمدة قرون عثمانية مساحة متنوعة من الطوائف المتعددة ذات الأعداد الضخمة التي تتخلل المسلمين في وسطهم و ليس على حدودهم، و ظلت كذلك إلى زمن قريب جداً، على عكس الانفراد المسلم الذي أوجدته العلمانية، و هو انفراد اتخذ الهوية التركية على حساب الوجود الكردي أيضاً و الذي سحقته بدموية تلك العلمانية بحجة الانسجام القومي للمساحة التي خصصت للأتراك بعد تنازل مصطفى كمال أتاتورك عن الأملاك العثمانية للدول العظمى في اتفاقية لوزان 1923، هذا بالإضافة إلى الوجود العربي المسيحي في الاسكندرونة و الذي سيرحل لصالح الانسجام الديني و القومي في تركيا العلمانية، بل يطال الاضطهاد الوجود اليهودي الذي ظل معفياً من الملاحقة زمناً طويلاً[xvi].

4-كذبة الخيال الجامح عن قسطنطينية الأحلام في الدعاية المؤيدة للاستعمار: تخلفنا بين خيال المستعمِرين و واقعهم

يبدو أن الحملة لا تنتهي حتى عندما يرون مكانة القسطنطينية العظيمة في التاريخ العالمي بعدما فتحها العثمانيون، و يتعرفون على سبب تدهور الأمور بعلمانيتهم الاستئصالية، فلا بأس حينئذ في اللجوء إلى الخيال المريض ليصور لهم أحلام يقظة غير واقعية و ذلك بنشر صورة خيالية تشبه مدن الفضاء في أفلام الخيال العلمي و الادعاء بلا أي سند علمي أن هذا كان مستقبل القسطنطينية الأسطوري لو لم يدخلها العثمانيون، الغرب إذن يتحدث عن وقف النمو و قطع طرق المسيرة الحضارية، أي يتهم الآخرين بالجريمة الحصرية التي مارسها ضد العالم كله و لم يمارسها أحد قبله.
صوروا خيالاً لم يتحقق إلى اليوم في أي مدينة في الغرب لم يرها العثمانيون في أحلامهم فضلاً عن أن يصلوها، فهل كان من المطلوب أن يشيد العثمانيون مدن أفلام الفضاء أو أفلام الخيال العلمي على الأرض؟ و إذا كان من الممكن تحققها فيجب أن تكون جزءاً من العالم الذي ينهب الآخرين لحساب رفاهيته إذ لا توجد في العالم كله مدينة تعيش بإمكاناتها الذاتية يمكن أن تصل إلى هذا الخيال، و مدن الغرب المتقدمة وصلت على حساب الآخرين، و العثمانيون لم يكونوا من هذا الصنف في تاريخهم.
حال المتحدث بالضبط هو حال من رمتني بدائها و انسلت، الذين قطعوا طرق الحضارات و أوقفوا نموها و حطموا العالم لأجل رفاهيتهم الذاتية يتهمون الآخرين بجريمتهم، اسطنبول لم تنهب 80% من خيرات العالم ليعيش بها 20% من سكان الأرض فقط كما يفعل العالم الغربي اليوم، نعم اسطنبول كانت درة عثمانية شهد بها شهود العيان الغربيون أنفسهم و كتبوا عنها الكثير و لكن ضمن النطاق البشري المعقول، ليرى المفترون ما قاله الغربيون بأنفسهم عنها مقارنة ببقية عواصم أوروبا في زمنها، سواء كانوا شهود عيان أم مؤرخين، المحك هو المقارنة بالأقران و ليس بالخيال، لا نريد الخيال الواسع بل الحقيقة المدونة، و كان هناك مدن تناظرها في العظمة داخل الدولة العثمانية كالقاهرة و حلب لأنها لم تحتكر الموارد، و لم تكن مجرد خيال يبهر عيون البسطاء، سبحان الله ما أوقح الاستعمار و ما أجهل من يعجب به، في زمن الحضارة الإسلامية كانت إفريقيا تزخر بإمبراطوريات ضخمة لأنه لم يكن هناك مركز يستغل أطرافاً، فأين هي إفريقيا الآن في زمن الغرب؟ و أين الغرب منها؟ و أين أصبح كل العالم الثالث الذي يلهث خلف لقمة العيش وحدها؟
نسي الحالمون أن القسطنطينية دمرها صليبيو الحملة الرابعة سنة 1204 و ما أعقبها من احتلال أوروبي و كوارث و لم تفق من الدمار إلى زمن العثمانيين الذين كانوا هم الذين أعادوا رونقها فعلاً و كل هذا بشهادة الغربيين أنفسهم، لا على طريقة الاستعمار الذي جاء يمدن فدمر، و يمكننا أن نرسم مدناً كهذه و نتساءل مثلاً: أين كانت ستصل بغداد لو لم يحطمها الغرب؟ و إذا كان الغربيون قد نسوا افتتانهم القديم بها أكثر من هذه الصورة منذ قصص ألف ليلة و ليلة حتى جاءوا هم و اقتلعوها من الجذور، فلنا أن نكون أكثر واقعية و نأتي بالصور الحقيقية و ليس من نسج الخيال المريض لنرى قبل و بعد مجيء الغرب.

خاتمة

من مقارنة الحملة الصليبية الرابعة على القسطنطينية سنة 1204 بالفتح العثماني سنة 1453 وجدنا أن الصليبيين دمروا المدينة التي تنتمي إلى ديانتهم بسبب الجشع الذي استمر بعد دخولها زمناً طويلاً و لم تفق منه إلى مجيء العثمانيين الذين يختلفون مع البيزنطيين في الانتماء الديني و لهذا كان الخلاف وارداً في طبيعة ذلك الزمن، و تختلف الروايات بين فتح مدمر و فتح منضبط و قد عرضت ما يجعلنا لا نسلم آلياً بروايات الدمار، و لكن في جميع الأحوال نهضت المدينة بعد ذلك لتصبح أعجوبة الدنيا في تناقض جذري مع نتائج الحملة الصليبية، و قطف جميع العثمانيين ثمار هذا الازدهار بغض النظر عن انتماءاتهم المتنوعة جداً، و نال اليونانيون نصيباً كبيراً من هذا الازدهار الذي عمّر قروناً، و المهم في هذا النصيب ليس مثاليته المطلقة، فهي محال يجب الكف عن البحث عنه أو القياس به، المهم أن هذا الازدهار كان أفضل حالاً من السابق كما كان أفضل حالاً من الأوضاع في البلاد الأخرى في نفس الزمن، بل و مما لحقه من أوضاع مأساوية بعد انهيار الدولة العثمانية، و لم تتوقف المسيرة إلا بقومية العلمانيين الأتراك الذين قضوا على واحدة من أكثر الدول تنوعاً و استقراراً في التاريخ، و كما رأينا إن منهجي في البحث التاريخي يتجنب نقض الروايات و يتجه لاستخلاص العبر التاريخية مع التسليم بأقصى ما يدعيه المتحاملون، دون الدخول في معركة التصديق و التكذيب، و مثلاً في موضوع فتح القسطنطينية، تتركز دعوتي على عدم تضخيم لحظة المعركة كثيراً، فمن طبيعة كل المعارك البشرية سفك الدماء و النهب، لماذا يطلبون إلينا أن نشذ عن القاعدة في الوقت الذي لا يلتزمون هم فيه بذلك في القرن الحادي و العشرين؟ و حتى لو كنا مثاليين فمن الصعب الإثبات في خضم الروايات المتحاملة، منهجي هو التسليم بكل ما يقولونه في ذلك، لا بأس وقع كل ما تدعونه من قتل و استباحة و نهب، و لكن انظروا إلى التاريخ الممتد بعد ذلك مدة قرون و إلى الحياة اليومية التي سادت في المدينة و التي نص حتى المتحاملون على أنها استعادت عافيتها بسرعة و صعدت إلى قمة العالم في مدة معقولة و لم يستثن أحد من هذا النمو، فلا اليونانيين و لا الأرمن و لا اليهود و لا الأوروبيين فضلاً عن المسلمين كانوا بعيدين عن قطف ثمار هذا النمو، حتى اليونانيين عادوا إلى بيوتهم و عوضت ممتلكات من خسر شيئاً، مَن مِن فاتحي الأمس و اليوم و غداً فعل أو سيفعل ذلك؟ يحاولون تضخيم الدماء كما فعلوا في غزوة بني قريظة، حتى ألجئوا بعض الباحثين لتقليل عدد القتلى بشكل مضحك و بخجل ملحوظ، و لكن لماذا التركيز على لحظة المعركة للإيحاء باضطهاد عنصر كان يعيش في قمة الغنى و الثروة و المناصب في ألفية الحضارة الإسلامية، و لو كانت غزوة بني قريظة أو لحظة فتح القسطنطينية هي الدلالة العظمى لما بعدها أو لأي نزعات استئصال أو استئثار فكيف حدث كل الازدهار الجماعي لتلك الشعوب؟ لماذا ننسى الثوب كله و نركز على بقعة لم تعد مرئية فيه و اختفت مع الزمن؟ يجب أن نقيس الحدث بنظائره في زمن و مدى تطوره عما سبقه و عما حدث بعده من تدهور، هذه هي الواقعية و دعنا من المثاليات الدونكيخوتية التي لم و لن تتحقق إلا في أخيلة الحالمين و من ثم لا مكان لها في الواقع الذي يهم الناس العاديين، إن الغرب يدخل و يبيد ثم يحتكر البناء و الفوائد لنفسه و يسوق العالم للتطبيل لما يحتكره دون بقية الناس حتى الأهالي الأصليين، ثم يهاجموننا بقلة حياء لا نظير لها دون مقارنة منصفة بين ما قدمناه و ما قدموه هم للآخرين، قصدي ألا يشغلكم لحظات بسيطة مما يسود عادة في المعارك البشرية، انظروا لما بعدها و كم استمر ذلك، فهنا هي المعركة الحقيقية و ستجدون الإجماع عليها من الموافق و المخالف بدلاً من رمي كل الثقل خلف آراء من السهل دحضها عن معارك بالورود و الموسيقا، أو الانبهار بكلام أنصار الاحتلال الأجنبي في زمننا و هم يصفقون و يهتفون له و هو يسفك الدماء و ينهب و يغتصب و يحتل و ينتهك الحقوق و يلوث الأرض و البشر بأسلحته المحرمة و ينشر الجهل و المرض و الفقر و التعصب و الانقسام و الفساد، ثم يريدون منا أن ندين الممارسات الأقل منها في ساحة معاركنا فقط بغض النظر عن مدى ثبوتها أو مآلاتها الحسنة، دون أن يقوموا هم بنفس الإدانة لأسيادهم، و هو ما يؤكد أن المعركة ليست حول القيم الإنسانية بل على فرض الاستسلام غير المشروط على أمتنا.

و هذا لا يعني الرغبة في تبرير أخطاء الذات بخطايا الآخرين، و لكننا عندما نكون بين النماذج المتاحة علينا الاختيار بين الأفضل فيها و الأصلح للبناء فوقه دون التقيد بسلبيات صدرت عنه، فالواقعية تقتضي مراعاة الممكن عملياً و ليس مجرد السباحة في خيال المثاليات التي لم تطبق يوماً، هذه مكانها في الأحلام و الأساطير و لا تصلح للعرض البشري، أما من يريد الواقعية فلديه نماذج يمكنه أن يختار الأفضل منها الذي يتيح المجال للجميع ان يدخلوه و لا يقتصر على فئة دون أخرى و ليس الاستئصال أو الاستئثار من طبيعته البنيوية، و هذا ما يسهل تجنب ما حدث في الماضي من ثغرات بشرية، خلافاً للنماذج المصممة لفئة حصرية و لم تقبل في تاريخها دخول الآخرين في جنتها و أصرت على الاستبعاد للآخرين و الاستئثار بالمنافع وحدها.

 


 

 

* الهوامش :

[1]-أنتوني بردج، تاريخ الحروب الصليبية، دار قتيبة، دمشق،1985، ترجمة: أحمد غسان سبانو و نبيل الجيرودي، ص234.

[1]-أرنست باركر، الحروب الصليبية، دار النهضة العربية، بيروت، الطبعة الرابعة، ترجمة: الدكتور السيد الباز العريني، ص148.

New Standard Encyclopedia, Ferguson Publishing Company, Chicago, 1999, vol. 9, p. i-238.-

[1]- ستيفن رنسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، دار الثقافة، بيروت، 1997، ترجمة: الدكتور السيد الباز العريني، ج 4 ص 222-235.

[1]- Encyclopedia Britannica, 1987, Vol. 22, p. 151.

[1]-ول ديورانت، قصة الحضارة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2001، ترجمة: محمد بدران، ج 15 ص 51-53.

-و قال كلاماً مشابها لهذا المؤرخ إدوارد جيبون في كتابه الشهير "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية و سقوطها"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997، ترجمة: د. محمد سليم سالم، ج 3 ص 164-170.

[1]- موريس كروزيه (إشراف)، تاريخ الحضارات العام، عويدات للنشر و الطباعة، بيروت، 2006، ج 3 القرون الوسطى (تأليف إدوار بروي و آخرين)، ص 314 و350-351.

[1]-برناردين كلتي، فتح القسطنطينية، مكتبة النهضة، بغداد، 1962، ترجمة: شكري محمود نديم، ص 59-62.

[1]-  Peter N. Stearns (Ed), The Encyclopedia of World History, Houghton Mifflin Company, Boston & New York, 2001, p. 236.

[1]-برنارد لويس، ظهور تركيا الحديثة، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015، ترجمة: قاسم عبده قاسم و سامية محمد، ص 66.

[1]-فيليب مانسيل، القسطنطينية المدينة التي اشتهاها العالم 1453-1924، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب، الكويت، يوليو 2015، عدد 426، ج 1 ص 26-27.

-يمكن مراجعة التفاصيل في كتاب الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور "الحركة الصليبية"، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1976، ج 2 باب 14 فصل 1 ص 891-901.

[1]- Encyclopedia Britannica, 1987, Vol. 22, p. 151.

[1]-موريس كروزيه، ص 578-592.

[1]- Stanford J. Shaw, History of the Ottoman Empire and Modern Turkey, Cambridge University Press, 2000, Vol. I, pp. 57-59..

[1]- زاكري كارابل، أهل الكتاب: التاريخ المنسي لعلاقة الإسلام بالغرب، دار الكتاب العربي، بيروت، 2010، ترجمة: د. أحمد إيبش، ص 192-195.

[1]-الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى، في أصول التاريخ العثماني، دار الشروق، القاهرة، 1982، ص 67-70.

[1]- https://www.britannica.com/topic/Phanariote

[1]-سير توماس. و. أرنولد، الدعوة إلى الإسلام: بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1957، ترجمة: الدكتور حسن إبراهيم حسن و الدكتور عبد المجيد عابدين و إسماعيل النحراوي، ص 170-205.

[1]-ول ديورانت، ج 26 ص 59.

[1]- موريس كروزيه، ص 589.

[1]-زاكري كارابل، ص 196.

[1]-دونالد كواترت، الدولة العثمانية 1700-1922، دار العبيكان، الرياض، 2004، ترجمة: أيمن أرمنازي، ص 62-63.

[1]-برنارد لويس، استنبول و حضارة الخلافة الإسلامية، الدار السعودية للنشر و التوزيع، جدة، 1982، ترجمة: الدكتور سيد رضوان علي، ص 131-137.

[1]-فيليب مانسيل، ج 1 ص 23-44.

[1]-نفس المرجع، ص 19.

[1]-الدكتور عبد السلام عبد العزيز فهمي، السلطان محمد الفاتح: فاتح القسطنطينية و قاهر الروم، دار القلم، دمشق، 1975، ص 131.

[1]-برناردين كلتي، ص 136.

[1]-نفس المرجع، ص 135 و 61.

[1]-نفس المرجع، ص 142.

[1]-ول ديورانت، ج 23 ص 37.

-و قريباً من هذا قال إدوارد جيبون في كتابه سابق الذكر ج 3 ص 240-250.

[1]-ول ديورانت، ج 26 ص 86-129.

[1]-فيليب مانسيل، ص 9 (مقدمة المترجم).

[1]-ألبرت حوراني، تاريخ الشعوب العربية، دار طلاس للدراسات و الترجمة و النشر، دمشق، 2008، ترجمة: أسعد صقر، ص 267.

- Albert Hourani, A History of the Arab Peoples, The Belknap Press of the Harvard University Press, Cambridge, Massachusetts, 1991, p. 232.

[1]-فرانسيس فوكوياما، أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية، منتدى العلاقات العربية الدولية، الدوحة، 2016، ترجمة: مجيب الإمام و معين الإمام، ص 312.

[1]- Peter N. Stearns, p. 126.

[1]-حبيب بدر وسعاد سليم و جوزيف أبو نهرا (تحرير)، المسيحية عبر تاريخها في المشرق، مجلس كنائس الشرق الأوسط، بيروت، 2002، ص 609-611.

[1]-ثريا فاروقي، الدولة العثمانية و العالم المحيط بها، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2004، ص 139.

[1]-نيقولو باربارو، الفتح الإسلامي للقسطنطينية: يوميات الحصار العثماني 1453م، عين للدراسات و البحوث الإنسانية و الاجتماعية، القاهرة، 2002، ترجمة: دكتور حاتم عبد الرحمن الطحاوي، ص 76 (مقدمة المترجم).

[1]-فيليب فارج ويوسف كرباج، المسيحيون و اليهود في التاريخ الإسلامي العربي و التركي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2011، ترجمة: بشير السباعي، ص 178-229.

[1]- Robert Aldrich (Ed), The Age of Empires, Thames & Hudson, London, 2007, p. 43

قراءة 533 مرات آخر تعديل على الإثنين, 16 نيسان/أبريل 2018 11:36

رأيك في الموضوع

{ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18