قال الله تعالى

 {  إِنَّ اللَّــهَ لا يُغَيِّــرُ مَـا بِقَــوْمٍ حَتَّــى يُـغَيِّـــرُوا مَــا بِــأَنْــفُسِــــهِـمْ  }

سورة  الرعد  .  الآيـة   :   11

ahlaa

" ليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، و إنما المهم أن نرد إلي هذه العقيدة فاعليتها و قوتها الإيجابية و تأثيرها الإجتماعي و في كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم علي وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده و نملأ به نفسه، بإعتباره مصدرا للطاقة. "
-  المفكر الجزائري المسلم الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله  -

image-home

لنكتب أحرفا من النور،quot لنستخرج كنوزا من المعرفة و الإبداع و العلم و الأفكار

الأديبــــة عفــــاف عنيبـــة

السيـــرة الذاتيـــةالسيـــرة الذاتيـــة

أخبـــار ونشـــاطـــاتأخبـــار ونشـــاطـــات 

اصــــدارات الكـــــاتبــةاصــــدارات الكـــــاتبــة

تـــواصـــل معنــــــاتـــواصـــل معنــــــا


تابعنا على شبـكات التواصـل الاجتماعيـة

 twitterlinkedinflickrfacebook   googleplus  


إبحـث في الموقـع ...

  1. أحدث التعليــقات
  2. الأكثــر تعليقا

ألبــــوم الصــــور

02f582ea9a9bc63966334f442fed6224 

مواقــع مفيـــدة

rasoulallahbinbadisassalacerhso  wefaqdev iktab
السبت, 29 كانون2/يناير 2022 07:17

تأسيس فكرة خلافة العثمانيين عند المؤرخين: من السلطان عبد الحميد الأول إلى السلطان عبد الحميد الثاني

كتبه  الأستاذ محمد شعبان صوان من فلسطين الشقيقة
قيم الموضوع
(0 أصوات)
تأسيس فكرة خلافة العثمانيين عند المؤرخين: من السلطان عبد الحميد الأول إلى السلطان عبد الحميد الثاني

تعريف بكتاب "خلافة سلاطين بني عثمان بين النفي و الإثبات في ضوء المذاهب الفقهية و المصادر التاريخية" للكاتب جاسم حمد الغيث

 

هناك بلبلة واضحة في كلام بعض المؤرخين عن قضية الخلافة عند العثمانيين، فهناك حشد من المؤرخين يزعمون أنها ظهرت في زمن السلطان عبد الحميد الثاني بصفتها رد فعل على العدوان الأوروبي على المسلمين عامة و الدولة العثمانية خاصة، و بعض المؤرخين "يتساهلون"، فيلاحظون أن مجرد ذكرها، بدأ في زمن السلطان عبد الحميد الأول و ليس السلطان عبد الحميد الثاني، و بينهما قرن، فالقول إذن إنها ظهرت زمن السلطان عبد الحميد الثاني فيه عدم دقة شديد في الوصف، و لكن حتى زعم بقية المؤرخين بعزو الظاهرة إلى تراجع الدولة العثمانية و هزيمتها زمن السلطان عبد الحميد الأول و لهذا لجأت إلى سلاح الخلافة، غير صحيح أيضاً، و لكن يهمنا فيه أن وثيقة واحدة سحبت الظاهرة قرناً كاملاً إلى الوراء فما بالنا لو نظرنا في الكثير من الوثائق الأخرى المتوفرة و لكنها لم تحظ باهتمام بعض أهل الاختصاص؟

بداية إننا لو نظرنا في وثيقة ذلك العصر لتبين أن قضية الخلافة العثمانية كانت من المسلمات آنذاك و لكنها عندما ذكرت في معاهدة دولية للمرة الأولى زمن السلطان عبد الحميد الأول فذلك لأنها المرة الأولى التي يتم اقتطاع جزء من الدولة العثمانية و لهذا صار من الواجب ذكر تبعات هذه الهزيمة على الجزء المفقود و أهله الذين يتبعون الدولة المهزومة تبعية دينية و ليست مجرد تبعية فتح، و هو ما جاء ذكره في معاهدة كوتشوك قينارجة (١٧٧٤) بوضوح من حيث مسئولية السلطان العثماني عن شئون أهل القرم الدينية بصفته خليفة المسلمين، هذا هو سر " المرة الأولى" و ليس هو أن العثمانيين اخترعوا فكرة الخلافة للاستقواء بها، أو أن القضية كانت نائمة حتى استيقظت في تلك المعاهدة، و لو اطلعنا على نص المعاهدة التي تضمنت استقلال القرم قبل إلحاقها بروسيا سنجد العبارة التالية: "و طائفة التاتار المرقومة تكون مقبولة و معترفاً بكونها غير تابعة لأحد سوى الحق سبحانه و تعالى، و حيث أن الطائفة المذكورة هي من أهل الإسلام، و كون ذاتي السلطانية الموسومة بالعدالة هي إمام المسلمين و خليفة الموحدين، فإنها توجب على الطائفة المرقومة أن لا تلقى خللاً في الحرية الممنوحة لدولتهم و بلادهم، بل يجب أن تنظم أمورها المذهبية من طرفي الهمايوني بمقتضى الشريعة الإسلامية" (تاريخ الدولة العلية العثمانية لمحمد فريد بك المحامي، بيروت، ١٩٩٨، ص ٣٤٤)، فهذا النص واضح في أنه يتحدث عن مسلّمة في زمنه و ليس اختراعاً جديداً، أو فكرة استيقظت فجأة، فلا نجد أي جهد مبذول لتأسيس حق من عدم، و لا محاولة للتذكير بفكرة منسية و نفض غبار القرون الطويلة عنها، فالجملة بسيطة و مباشرة: مجرد إشارة إلى إحدى بديهيات ذلك الزمن، و يجب أن نتأكد أنه لو لم تكن فكرة الخلافة موجودة من قبل لما رضيت روسيا المنتصرة بمنح العثمانيين هذا الامتياز على أهل القرم بعدما تمكنت من فرض إرادتها في معاهدة كوتشوك قينارجة ثم صارت شبه الجزيرة في حوزتها و تحت تصرفها المطلق، إذ كيف تسلم للمهزوم بامتياز تم اختراعه بعد الهزيمة دون وجود مستند للمهزوم و لمجرد انتزاع مكاسب من منتصر عنيد؟ و لا ننسى أن معاهدات الهزيمة لم تكن قط هي المكان الأنسب لتأسيس الحقوق الجديدة حيث يتم التخلي عن الحقوق القديمة.

و حتى القراءة المعاكسة لاستقلال القرم و استمرار الولاية الدينية للسلطان العثماني على أهلها، تؤكد الاستنتاج السابق، فهناك من المؤرخين من يرى أن كون السلطان العثماني خليفة للمسلمين أدى به إلى تلقي ضربة قاضية بتنازله عن القرم و استمرار ولايته الدينية على أهلها، و هو ما كان أشد عليه من حماية الإمبراطورة كاثرين للمسيحيين الأرثوذكس في الدولة العثمانية، و في ذلك يقول المؤرخ بيتر مانسفيلد: "بموجب معاهدة كوتشوك قينارجة سنة ١٧٧٤، لم يفقد السلطان مصطفى الثالث السيطرة على بعض رعاياه المسيحيين و حسب، بل فقد أيضاً سيادته على المسلمين التتار في القرم، و كونه يدعي أنه خليفة الإسلام، جعل ذلك التنازل ضربة تلقاها و أثرت فيه أقوى من تخليه عن حماية رعاياه المسيحيين الأرثوذكس فعلياً للإمبراطورة الروسية كاثرين".

Peter Mansfield, A History of the Middle East, Penguin Books, New York, 2013, pp. 38-39.

وهذا يعني أن منصب الخلافة كان من مسلمات الوضع الدولي آنذاك مما لم يترك مجالاً للسلطان العثماني لإخلاء مسئوليته من المسلمين الذين صاروا خارج سيادته السياسية كما خلت مسئوليته من غير المسلمين في الأراضي التي فقدتها الدولة العثمانية على مدى ثلاثة أرباع القرن منذ معاهدة بساروفتس (١٦٩٩)، حيث كانت معاهدة كوتشوك قينارجة (١٧٧٤) هي أول حدث يخرج فيه مسلمون كانوا ضمن الدولة العثمانية من سيادة السلطان العثماني السياسية و لم يكن بالإمكان التخلي عن مسئوليته عنهم حتى لو كلف ذلك السلطانين (مصطفى الثالث و عبد الحميد الأول)، اللذين عاصرا هزيمة القرم، حياتيهما نتيجة الصدمة التي سببتها هذه الكارثة غير المسبوقة في تاريخ الدولة و وقعت كالصاعقة عليهما، لا كما حدث في زمن الاستقلال و التجزئة حيث كان الحكام يبيعون البلاد و العباد لأعداء الدين و الأمة بجرة قلم من السيد الاستعماري ثم يخرجون منتشين بأكاليل الغار و مزينين بمختلف النياشين اللامعة و الأوشحة البراقة تحت أقواس النصر العالية.

و خلاصة الأمر أننا لا يمكن أن نفهم كون فكرة الخلافة قضية مستجدة في معاهدة كوتشوك قينارجة، فإن كانت مكسباً حققه العثمانيون فلم تكن الهزيمة هي وقت تحقيق المكاسب و إن كانت عبئاً أثقل كاهلهم فلم يكونوا وقتها بحاجة لعبء يضاف إلى عبء الهزيمة، إلا أن يكون أمر الخلافة من المسلمات آنذاك بما لم يقدر المنتصر على إنكارها و لم يستطع المهزوم كذلك أن يتملص من واجباتها.

و يمكن توضيح الموضوع بالمثل التالي على تأخر التوثيق الدولي لحقائق مؤسسة سابقاً و هو مثل الوصاية الأردنية على مقدسات القدس، نلاحظ أن الكتابات الأردنية تؤسس حق الأردن بالوصاية، على اتصال نسب العائلة المالكة بالدوحة النبوية الشريفة، ثم ببيعة أهل فلسطين للشريف حسين بالخلافة بعد إلغاء الخلافة العثمانية سنة ١٩٢٤ (لا تذكر هذه الكتابات كونها بيعة بالخلافة، خوفاً من بعبع الاسم على المجتمع الدولي المرهف، بل يذكر كتابها بيعة بالوصاية على القدس) ثم بدفن الشريف حسين في القدس سنة ١٩٣١ ثم بترميم الحكم الأردني كنيسة القيامة بعد حريق ١٩٤٧، ثم بوقوع القدس تحت الوصاية الأردنية بعد النكبة ١٩٤٨ إلى سنة النكسة ١٩٦٧ و هو ما يعترف القانون الدولي بسريانه على المقدسات بصفته مسلّمة، ثم بإعادة إعمار المسجد الأقصى بعد حريق ١٩٦٩.

المهم متى كانت أول وثيقة دولية تذكر هذه الوصاية ؟

في سنة ١٩٨٨ فك الملك حسين الارتباط الأردني بالضفة الغربية و لكنه استثنى الأماكن المقدسة في القدس كي لا يحدث فراغ يستغله الكيان الصهيوني، ثم أشارت معاهدة السلام الأردنية مع الكيان الصهيوني سنة ١٩٩٤ إلى هذه الوصاية، ثم وقع الملك عبد الله و الرئيس الفلسطيني محمود عباس سنة ٢٠١٣ اتفاقية الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة "و تؤكد الاتفاقية بمضامينها على الوصاية الهاشمية التي هي وصاية موصولة" كما يقول الدكتور هايل الدهيسات رئيس قسم التاريخ في جامعة الزرقاء في صحيفة الرأي الأردنية ٢١/٥/٢٠١٣، أي لم تبدأ تلك الوصاية بهذه الاتفاقية.

ماذا يفيد هذا العرض التاريخي؟ يفيد أنه لا يشترط وجود وثائق دولية منذ بداية الحقيقة المؤسسة المعترف بها، الوثائق الدولية تأتي لاحقاً للبناء على ما هو مؤسس و قائم أصلاً و لا تؤسس حقوقاً جديدة لاسيما في حال الهزيمة.

الخلاصة أن الواقع كان يشهد بوجود عملي للوصاية التي تراكم واقعها و تأكد مع الوقت، و لولا هذا الواقع السابق لما أمكن الاحتفاظ بهذه الوصاية للجانب العربي، ثم جاءت وثائق و تصريحات دولية لاحقة، كلها بعد زمن من تأسيس الأمر الواقع و تشريعه، فأقرت و بنت على ما هو موجود أصلاً و لم تكن هي التي اختلقته، لاسيما لطرف مهزوم في المعركة لم يكن في وضع يمكنه من فرض حقوق جديدة لنفسه على المنتصر الذي لم يكن ليقر بهذه الحقوق لو كانت جديدة، مع محاولاته المستميتة للسيطرة على المقدسات و سلب الولاية عليها، لولا أنها مؤسسة على سوابق راسخة، و لو كان الأمر مؤرخاً بالوثائق الدولية و جاء باحث بعد مئات السنين لتأريخ واقع هذه الوصاية من هذه الوثائق وحدها لاستنتج أنها لم تكن موجودة قبل سنة ٢٠١٣، أو ربما سنة ١٩٩٤، و سيكون ذلك استنتاجاً خاطئاً كما كان الاستنتاج بثبوت الخلافة للعثمانيين بالاعتماد على معاهدة دولية استنتاجاً خاطئاً.

فمن يريد معرفة متى بدأ الاعتراف بمنصب الخلافة العثمانية يجب ألا يبحث في الوثائق الدولية بل في مساجد المسلمين و جوامعهم حيث كان الدعاء في الصلوات، و في كتابات علمائهم و فتاواهم، و في مراسلات و وثائق الدولة نفسها، و هذا ما فعله الأستاذ جاسم حمد الغيث في كتابه النفيس الذي صدر في الكويت مؤخراً عن دار الرياحين تحت عنوان: "خلافة سلاطين بني عثمان بين النفي و الإثبات في ضوء المذاهب الفقهية و المصادر التاريخية"، حيث يبحر في نظرة المسلمين أنفسهم داخل المجتمع الإسلامي، و هذا متفق مع أحد مبادئ التأريخ و هو وجوب النظر إلى الظاهرة كما كانت في زمنها و ظرفها و ليس وفق ظروف و أزمان سابقة أو لاحقة، فلا يمكننا فرض رؤية قومية رأت أن الدولة العثمانية دولة احتلال في زمن لم يكن فيه قومية أصلاً، و كان الناس يقبلون بحكم أشخاص من أعراق أخرى يشتركون معهم في الدين، و كذلك الخلافة فإنها تخص المسلمين و ليس الدول المعادية التي لا شأن لها بالأمر إلا إذا تعلق الأمر بمسلمين تحت حكمها، و هنا يحدث الذكر، و كان ذلك للمرة الأولى في معاهدة قينارجة لأنها المرة الأولى التي خرجت بلاد إسلامية كانت تحت سلطة الدولة العثمانية إلى السلطة الروسية، و إلا فما هو شأن أوروبا أن تذكر في وثائقها الرسمية وجود خلافة في بلاد العثمانيين أو لا تذكر مادام الأمر لا يخصها؟

بل وجدنا أنه في آخر زمان الدولة العثمانية كان الأمر يخص الغربيين بالفعل و البريطانيين منهم على وجه الخصوص، فهم الذين نفخوا في رماد الفتنة بشبهات انطلت على الأغرار الذين ظنوا حرص الإنجليز على نقاوة الإسلام، إذ كانت بريطانيا هي التي تبنت سياسة "الخلافة العربية" لمحاربة الخلافة العثمانية بها، و من المضحك أنها هي التي بدأت بنشر الادعاء بالحرص على تحقيق الشروط الشرعية للخلافة الإسلامية، و أهمها في نظر الإنجليز آنذاك النسب العربي القرشي، لقد أطلقت بريطانيا هذه الفكرة و وجدت من الأتباع و العملاء من يتبناها في ذلك الظرف العصيب الذي كان المسلمون يمرون فيه و هم في أشد الحاجة لتوحيد الصفوف و ليس لتشتيت و شرذمة و تفتيت المجتمع الإسلامي و الانتقاص من شأن قيادته التي كانت تحاول جمع المسلمين تحت راية واحدة لمجابهة العدوان الغربي و أطماع الدول الكبرى، و لكن أتباع الغرب من مدعي العلم و الفهم ساروا في ركاب المخطط البريطاني لتطبيق الشرع حسب ظنهم، فكانت النتيجة، و هنا العبرة التي يرفض الكثيرون التعلم منها إلى اليوم، أن خسرنا الخلافة العثمانية و لم تقم محلها الخلافة العربية، لأن الذين حاربوا الخلافة العثمانية برمح الخلافة العربية كسروا الرمح العربي بأنفسهم بعد أداء دوره و أفشلوا كل مشاريع إحياء خلافة عربية على أيدي كل الذين طمحوا بها بعد نهاية الخلافة العثمانية، مثل الشريف حسين و ملوك مصر، حيث كانت بريطانيا نفسها هي المهيمنة عليهم و لهذا فشلت مشاريعهم، و تبين أن كل دعاوى الغيرة على حقوق السلالة المحمدية و الدوحة النبوية، و كل ما جاء في خطابات الغش و الخداع البريطاني، مجرد أكاذيب حقيرة استهدفت بنيان الدولة الإسلامية كما حصل بالفعل و أنه مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب البريطاني ديناً، ففي الوقت الذي كان فيه السير هنري ماكماهون يسهب و يطنب في خلع الألقاب على الحسيب النسيب الشريف سلالة الدوحة النبوية و صاحب المقام الرفيع، ليعده بخلافة المسلمين بدلاً من سلاطين الدولة العثمانية أعداء بريطانيا، كان لورنس العرب القائد البريطاني في الميدان يؤكد في رسائله السرية أن الغرض من كل هذا الاستدراج هو تحطيم الإسلام من الداخل بالقضاء على سيادة السلطان العثماني بدفع العرب "لانتزاع حقوقهم من الأتراك" و إيجاد خليفة عربي يقاتل الخليفة التركي مما سيقضي على “خطر الإسلام إلى الأبد"، و بالطبع ما أشد التناقض بين الكلام العلني المنمق، و الكلام السري المدمر.

و مما يثير العجب أن الحرب نفسها لم تنته بنهاية الدولة العثمانية، و ما زال هناك من يشنون عليها حرب الشرعية التي أثارتها بريطانيا و ما زالت مستمرة حتى بعد زوال الدولة بقرن، خلافاً لأحكام فقهاء المسلمين، كما بيّن كتاب الأستاذ جاسم، مما يجعلنا نعجب من المفارقة بين الوعي المبكر لجيل الرواد الذي مثله الزعيم المصري الكبير مصطفى كامل باشا رغم حداثة سنه آنذاك، و أمير البيان شكيب أرسلان، و الشيخ عبد العزيز جاويش، و ثلة من المخلصين، و بين الأدوات المسخّرة في هذه الحرب الذين لم يفيقوا إلى اليوم، رغم كل الكوارث التي حلت بنا من المشاريع الغربية المتتالية، سواء المفروضة علينا أم المعروضة علينا، و لعل مطالعة بعض عبارات المخلصين الذين عاينوا حرب الغرب على المسلمين تفيد في تنوير الأبصار:

يقول الزعيم مصطفى كامل باشا في سبر أغوار العداوة بين الدولة العثمانية و بريطانيا و جذور فكرة الخلافة العربية في نهاية العهد العثماني: "شعرت الروسيا كذلك بعد حرب سنة ١٨٧٧ أنها لا تستفيد من حروبها مع تركيا ما يعوض عليها خسائرها العظيمة في هذه الحروب، ففضلت سياسة مسالمة الدولة على سياسة العداء، فكان هذا التاريخ مبدأ للشقاق و العداوة بين الدولة العلية و إنكلترا، و قد ظهرت هذه العداوة بمظهرها التام الواضح بعد احتلال الإنكليز لمصر، حيث رأى جلالة السلطان في هذا الاحتلال و في خطة الإنكليز فيه و في خداعهم لجلالته ما علم منه أن الإنكليز لا صديق لهم و أنهم أكبر أعداء تركيا و أن صداقتهم القديمة المزعومة لم تكن إلا حجاباً ستروا وراءه عداوتهم المرة و أطماعهم الشديدة ضد دولة آل عثمان".

"و منذ ذلك الحين عملت إنكلترا على دس الدسائس ضد السلطنة السَنِية في كل أنحاء الأملاك المحروسة.....و قد حسب الإنكليز أنهم يبلغون متمناهم من مصر و وادي النيل و يضعون بذلك أيديهم على الحجر الأساسي للخلافة الإسلامية و السلطنة العثمانية....و قد علمت إنكلترا أن احتلالها لمصر كان و لا يزال و يكون مادام قائماً سبباً للعداوة بينها و بين الدولة العلية و أن المملكة العثمانية لا تقبل مطلقاً الاتفاق مع إنكلترا على بقائها في مصر، إذ أن مسألة مصر بالنسبة لتركيا و الخلافة تعد مسألة حيوية، و لذلك رأت إنكلترا أن بقاء السلطنة العثمانية يكون عقبة أبدية في طريقها و منشأ للمشاكل و العقبات في سبيل امتلاكها مصر، و أن خير وسيلة تضمن لها البقاء في مصر و وضع يدها على وادي النيل هو هدم السلطنة العثمانية و نقل الخلافة الإسلامية إلى أيدي رجل يكون تحت وصاية الإنكليز و بمثابة آلة في أيديهم، و لذلك أخرج ساسة بريطانيا مشروع الخلافة العربية مؤملين به استمالة العرب و قيامهم في وجه الدولة العلية، و لكن العرب وغير العرب من المسلمين أرشد من أن يخدعهم الإنكليز بعد ما مر و ما جرى من الحوادث (يبدو تفاؤل الباشا مبالغاً فيه في هذه العبارة، فكيف إذا علم أن العرب و المسلمين لم يخرجوا من نفس الفخ بعد قرن الأهوال الذي أعقب وفاته؟)...".

"و الذي يبغّض الإنكليز على الخصوص في جلالة السلطان الحالي (عبد الحميد الثاني) هو ميلة الشديد إلى جمع كلمة المسلمين حول راية الخلافة الإسلامية، و هو أمر يحول بينهم و بين أسمى أمانيهم، أي إيجاد الشقاق بين المسلمين و بعضهم و خروج بعض المسلمين على السلطنة العثمانية، و من ذلك يفهم القارئ سبب اهتمام الإنكليز بالأفراد القليلين الذين قاموا من المسلمين ضد جلالة السلطان الأعظم و سبب مساعدتهم لهم بكل ما في وسعهم".

"و إنكلترا تعلم علم اليقين أنها لو استطاعت أن تجعل خليفة المسلمين تحت وصايتها، أي آلة لها، يكون لها سلطة هائلة و نفوذ لا حد له في سائر أنحاء المعمورة، فإنها تستطيع عندئذ، لا قدر الله، أن تنفذ رغائبها عند المسلمين التابعين لها و غير التابعين، بواسطة هذا الخليفة، و لذلك فهي بعملها على هدم السلطنة العثمانية تعمل على تحقيق غرض بعيد هو أكبر أغراضها و أمنية سياسية دونها كل الأماني".

"إن مشروع جعل الخلافة الإسلامية تحت وصاية الإنكليز و حمايتهم هو مشروع ابتكره الكثيرون من سواسهم منذ عهد بعيد، و قد كتب كتّاب الإنكليز في هذا الموضوع، و منهم مستر بلانت المعروف في مصر، فقد كتب كتاباً قبل احتلال الإنكليز لمصر في هذا المعنى سماه "مستقبل الإسلام" و أبان فيه أغراض حكومة بلاده و أماني الإنكليز في مستقبل الإسلام، و قد كتب في فاتحة كتابه ما نصه

لا تقنطوا فالدر ينثر عقده***ليعود أحسن في النظام و أجملا

أي أن هدم السلطنة العثمانية لا يضر بالمسلمين، بل إن هذا العقد العثماني يُنثر ليعود عقداً عربياً أحسن و أجمل، و لكن ما لم يقله المستر بلانت هو أن قومه يريدون هذا العقد العربي في جيد بريطانيا لا في جيد الإسلام".

"و يبين المستر بلانت أيضاً "أن مركز الخلافة الإسلامية يجب أن يكون مكة و أن الخليفة في المستقبل يجب أن يكون رئيساً دينياً لا ملكاً دنيوياً"، أي أن الأمور الدنيوية تُترك لإنكلترا تدبر أمورها كيف تشاء، و يعقب المستر بلانت ذلك بقوله "إن خليفة كهذا يكون بالطبع محتاجاً لحليف ينصره و يساعده و ما ذلك الحليف إلا إنكلترا!"، و بالجملة فحضرة المؤلف لكتاب مستقبل الإسلام يرى، و ما هو إلا مترجم عن آمال أبناء جنسه، أن الأليق بالإسلام أن ينصب إنكلترا دولة له، و لم يبق للمستر بلانت إلا أن يقول بأن الخليفة يجب أن يكون إنكليزياً!!"، (مصطفى كامل باشا، المسئلة الشرقية، مطبعة اللواء، القاهرة، ١٩٠٩، ص ٢٣-٢٨).

و يقول في خطبة في القاهرة بمناسبة ذكرى ميلاد السلطان عبد الحميد: "و إني أعرف كذلك أن في مصر جماعة يسعون لحل المملكة العثمانية و إقامة خلافة عربية تكون ألعوبة في أيدي إحدى الدول الأجنبية، فهؤلاء و أمثالهم هم أعداء الدولة و الملة و أضر على الإسلام من أعدائه الظاهرين، و لا عجب إذا نبذتهم الأمة المصرية بأسرها و احتقرتهم ظاهراً و باطناً، و لا جرم إذا بشرناهم بالفشل و الخذلان و سوء العاقبة، فهذا وقت وجب فيه على المسلمين عامة أن يتحدوا حول راية الخلافة الإسلامية العثمانية و يضحوا أرواحهم في سبيل المدافعة عنها، فهي الرافعة لراية الإسلام و بدونها لا مقام لهذا الدين الكريم و لا حرمة للمسلمين" (مصطفى كامل باشا في ٣٤ ربيعاً، مطبعة اللواء، القاهرة، ١٩١٠، ج ٩ ص ٢٠٠-٢٠١).

و قال في مقال توضيحي في صحيفة اللواء تحت عنوان "سلامة الدولة العثمانية" بعد تلك الخطبة: "إن أعداء الدولة العثمانية يسعون لحل المملكة و تأسيس خلافة عربية تكون ألعوبة في أيدي إحدى الدول الأجنبية... فالدولة العلية حماها الله هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تخشى أوروبا من قوتها و نفوذها، و أعداء الإسلام يودون من صميم أفئدتهم أن يزول اسمها من الوجود حتى تموت قوة الإسلام و تقبر سلطته السياسية، و هم يعملون ليل نهار لبلوغ هذا الغرض السيء، و لما كان وجود الخلافة الإسلامية في قبضة سلاطين آل عثمان، مما يجعل سلطتهم على المسلمين عامة و نفوذهم في أنحاء الأرض قوياً، فقد افتكر أعداء الإسلام في أمر هذه الخلافة العظمى و في الطرق المؤدية إلى فصلها من السلطنة العثمانية و تسليم زمامها إلى أحد المسلمين الفاقد للعواطف الدينية و الإحساسات الإسلامية".

"و لا يظن القراء أن مسألة الخلافة هي مسألة حديثة بل أن ساسة أوروبا في القرن الثامن عشر اشتغلوا بها كثيراً...."،

"ومن أول يوم استعدت فيه إنكلترا لاحتلال مصر ازداد اهتمام الساسة الإنكليز بمسألة نزع الخلافة من أيدي آل عثمان لأنهم أدركوا أن احتلالهم لمصر يكون إلى الأبد سبباً للعداوة بينهم و بين الدولة العلية و أن جلالة السلطان الأعظم لا يقبل مطلقاً الاتفاق معهم على بقائهم في مصر....فليس علينا بعد هذا إلا أن نقول كلمة واحدة و هي أن سماسرة السوء و الفساد في مصر (دعاة الخلافة العربية) يخدمون أغراض الإنكليز و يخدعون الناس بتفهيمهم أن فصل الخلافة من السلطنة يفيد الدولة كما استفادت دول أوروبا من فصل السلطة الدينية من السلطة السياسية، و لكن الدين الإسلامي لا يصح فيه مطلقاً فصل السلطتين من بعضهما لأن الفصل بينهما يقتلهما معاً".

.(مصطفى كامل باشا في ٣٤ ربيعاً، ص ١١٥-١١٨)

و قال في كتابه المسألة الشرقية إن الإنكليز "عملوا ما في استطاعتهم لتنفير المصريين من الدولة العلية و من جلالة السلطان الأعظم، فأوعزوا إلى فئة من الدخلاء الذين لا وطن لهم و لا شرف و لا عقيدة بالطعن على جلالة الخليفة الأكبر و السلطان الأعظم، و تشويه أعمال الدولة العلية و أحوالها، و لم يسمحوا بمحاكمة هؤلاء الطاعنين الذين يسبون الأمة المصرية و عقيدتها أعظم السباب بطعنهم على خليفة الإسلام و سلطان مصر" (المسئلة الشرقية، ج ٢ ص ١٢١).

يتبين من هذا العرض المسهب، الظروف التي دفعت بريطانيا لتبني فكرة الخلافة العربية التي ألبستها قناع الدفاع عن أحكام الشريعة، و هي شريعة يبدو أنه لم يعرفها أحد من فقهاء المسلمين في ذلك العصر، فكان على بريطانيا الغيورة على الإسلام أن تعلمهم دينهم لتحيي فيهم الأحكام المهجورة، و لكن من تبعها من المخدوعين و العملاء لم يجنوا سوى الوبال و الخذلان، كما قال الزعيم المصري، فسقطت الخلافة العثمانية، و لم تبعث الخلافة العربية، ففقدنا مكانة الدولة العظمى و ظلت الأمة مشتتة مشرذمة تلهو بزخارف دولة التجزئة و استقلالها و ألقابها و حدودها و سيادتها و كل هذا الزيف بلا أي مكانة بين الدول أو إنجازات لنفسها، و بلا فهم هذا الواقع سيكون بحث القضايا الشرعية مجرد زوابع في فناجين تشغل المسلمين و تلفت انتباههم عما يدبر لهم، و نقاشات سفسطائية تخدم أغراض الأجنبي، و لهذا قال الأمير شكيب أرسلان: "لم يمنعنا من الاشتراك في الثورة العربية سوى اعتقادنا أن هذه البلاد العربية ستصبح نهباً مقسماً بين انجلترة و فرنسا، و تكون فلسطين وطناً قومياً لليهود، و هذا التكهن كان عندنا مجزوماً به، حتى أني كنت أقول قبل الحرب (الكبرى الأولى): لو ارتفع الغطاء ما ازددت يقيناً (و هي عبارة مشهورة للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام تشير إلى قوة إيمانه بالغيب إيماناً راسخاً يساوي إيمان شاهد العيان الذي لا يزيد عن إيمانه هو قط)، ثم انتهت الحرب، و انتصر الحلفاء، و ارتفع الغطاء، فما حصل غير ما كنا نقول" (الدكتور أحمد الشرباصي، شكيب أرسلان داعية العروبة و الإسلام، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٨، ص ٨٩)، و يجب أن نتذكر أن هذه الكوارث جلبها أصحابها بنوايا طيبة تريد تطبيق أحكام الشريعة التي ذكرتهم بها بريطانيا صديقة الإسلام و راعية مستقبله، و لمثل ذلك قال الشيخ عبد الحميد بن باديس: "لو قالت لي فرنسا قل لا إله إلا الله، ما قلتها"، و قد صور السيد محسن الأمين حال المسلمين في هذا المجال بالقول: "مازلنا نتخاصم على شرعية الخليفة حتى صار المندوب السامي خليفتنا"، و ليس من المصادفات أن يكون ذلك هو نفسه تعليق الزعيم مصطفى كامل باشا عن الخليفة البريطاني، و هو نفسه ما حدث في الواقع بعد الانقسام الذي أحدثته دعوة الخلافة العربية.

قراءة 186 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 01 شباط/فبراير 2022 13:46

رأيك في الموضوع

{ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18