قال الله تعالى

 {  إِنَّ اللَّــهَ لا يُغَيِّــرُ مَـا بِقَــوْمٍ حَتَّــى يُـغَيِّـــرُوا مَــا بِــأَنْــفُسِــــهِـمْ  }

سورة  الرعد  .  الآيـة   :   11

ahlaa

" ليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، و إنما المهم أن نرد إلي هذه العقيدة فاعليتها و قوتها الإيجابية و تأثيرها الإجتماعي و في كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم علي وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده و نملأ به نفسه، بإعتباره مصدرا للطاقة. "
-  المفكر الجزائري المسلم الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله  -

image-home

لنكتب أحرفا من النور،quot لنستخرج كنوزا من المعرفة و الإبداع و العلم و الأفكار

الأديبــــة عفــــاف عنيبـــة

السيـــرة الذاتيـــةالسيـــرة الذاتيـــة

أخبـــار ونشـــاطـــاتأخبـــار ونشـــاطـــات 

اصــــدارات الكـــــاتبــةاصــــدارات الكـــــاتبــة

تـــواصـــل معنــــــاتـــواصـــل معنــــــا


تابعنا على شبـكات التواصـل الاجتماعيـة

 twitterlinkedinflickrfacebook   googleplus  


إبحـث في الموقـع ...

  1. أحدث التعليــقات
  2. الأكثــر تعليقا

ألبــــوم الصــــور

مواقــع مفيـــدة

rasoulallahbinbadisveccosassalabinnabilejeunemusulmansultan cerhso  wefaqdev iktab
الخميس, 24 نيسان/أبريل 2014 07:54

الأميرة رابعة

كتبه 
الأميرة رابعة

تحت سماء فارس و الهند

عبر المروج العربية، إنبعث

بعيدا عن السبات، إشمخ،

بعيدا عن النوم العميق

إنبعث... 

الشاعر الراحل محمد إقبال رحمه الله

لا أدرى لماذا استحضرت هذا المقطع بالذات من الشاعر الحكيم محمد إقبال رحمه الله و أنا أعد هذا النص، لعله يحمل بين طياته بعض ما حملته معي من إنطباعات عن بلد مسلم بعيد عن بلدي الجزائر؟! في الحقيقة، لا أدري.                      

فى 9 جوان  من عام 2004 الموافق لعام 1425ه. كنت أستعد لمغادرة إيران بعد زيارة دامت أسبوع تلبية لدعوة منظمة تراث جماران لحضور أحد مؤتمراتها. فاذا بالسيدة عفت. ش و هى إحدى المشرفات على إستقبال و إرشاد الضيوف دعتنى لحضور عرض مسرحية بعنوان "رابعة " !

كانت هذه الدعوة غير متوقعة علي الإطلاق بالنسبة لي. لماذا ؟ لأنه كان يفصلني علي السفر بضعة ساعات فقط و قد بدأت أعاني من بوادر التعب الشديد جراء أسبوع حافل بالنشاط و الزيارات و المواقف القوية كالتي عشتها في الحي الذي كان يقطن به السيد الخميني، لهذا رفضت دعوة السيدة عفة و استأذنتها في أخذ قسط من الراحة في قاعة الإستقبال رفقة صديقة هندية مسلمة و هي دكتورة مرموقة بحيدر آباد. فتفاجئت بردة فعل المرشدة الكريمة التي نظرت إلي بنظرة في منتهي الجدية، قائلة لي:

- أنا قررت بأن تحضري عرض هذه المسرحية الغنائية و ليست لي أي نية في أن أتركك هنا لتمضي ساعات الإنتظار ! فأرجوك رافيقيني فورا!                                               

أذكر أنني إستدرت إلي أحد الإخوة الدكاترة اللبنانيين و الذي كان بمثابة الأخ و المرشد هو أيضا علي إعتبار أنه عاش سنوات في تهران. و انتظرت منه أن ينقذني من الموقف الحرج الذي كنت أعيشه، فتلك السيدة الرائعة الإيرانية كنت لا أقوي علي رفض لها طلب لكنني في الساعات الأخيرة من إقامتي في تهران شعرت  و لأول مرة بإنهيار قدراتي و قواي، فإذا بالأخ الكريم يبتسم إبتسامة هادئة و هو يخاطبني:

- إذهبي مع السيدة عفة و لن تندمي، ستأخذين فكرة رائعة عن الفن الإيراني العريق. و علي كل حال ستكونين جالسة و متابعة المسرحية ستنسيك تعبك.

                                              

إستسلمت أخيرا و خرجت في أثر السيدة عفة و قد سعدت جدا بمرافقتي لها. سيارة الأجرة كانت بإنتظارنا. صعدنا السيارة و بأمر من السيدة إنطلق السائق الي القلب النابض لتهران. في الطريق أشارت لي بسيارة خلفنا:

- إن السيدة فاطمة الدكتورة الهندية ترافقنا و هي خلفنا برفقة فنان إيراني كبير جدا. قالت لي السيدة عفة. ربع ساعة بعد إنطلاقنا، طلبت الدكتورة من السائق التوقف و عندما إلتحقنا بها بدورنا مستفسرين عن التوقف المفاجيء، تكلمت إلي فاطمة بلغة فرنسية سريعة:

- قولي لسيدة عفة أنني إمرأة متزوجة و أرفض أن أركب سيارة أجرة رفقة رجل غريب!

تفهمت مطلبها و نقلته الي السيدة عفة مضيفة:

- نحن في دولة إسلامية و من المفروض أن لا نعيش نحن النساء المسلمات مثل هذه المواقف في بلدكم الإسلامي!                                            

 فبهتت السيدة عفة و لم تدري بماذا تجيب و قد كانت تنظر الي الفنان الإيراني الجالس في سيارة الأجرة و التي لم يغادرها لكونه لا يتحدث إلا الفارسية. فأقترحت أن تنضم إلينا السيدة الهندية المسلمة لنكمل مشورانا الي المسرح الكبير لتهران. وافقت علي الفور المرشدة عفة و سعدت بذلك فاطمة و ركبنا نحن النساء الثلاث خلف السائق و وعدنا الفنان أن نلتقي به في مدخل المسرح تالار وحدت  و هكذا واصلنا الرحلة عبر العاصمة الإيرانية و عند وصولنا الي المبني المهيب و الجميل و الذي تحف به حديقة خضراء رائعة، سارعت عفة في تحفيزنا و تحذيرنا:

- عليكم بالصبر عند الإجراءات الأمنية و عليكم بمجرد أن ندخل أن تتوجهوا الي قاعة العرض، فأنا المكلفة بالإتيان بالتذاكر، إنتظروني حيث أشير لكم.

تفاهمنا معها علي ذلك. رغم تعبي و عدم تحمسي للخروج ليلا، شغلت حاسة الملاحظة لدي لأسجل بعض الملاحظات حملتها معي الي بلدي. إنتبهت و أنا أخضع الي التفتيش من طرف نساء أمن إيرانيات ثم و أنا أجتاز البوابة الرئيسية رفقة بقية المجموعة أن عدد الفتيات و الشابات الإيرانيات التي يرتدن المسرح في الساعات الأولي من الليل عدد معتبر و غير عادي. إندهشت عندما وصلنا أخيرا الي القاعة رقم 2 و التي كانت فخمة بالنسبة لي أنا التي لم أرتاد قاعة مسرح منذ زمن طويل، الكراسي كانت نظيفة و سالمة !

 الركح كان واسعا و ملتصقا بفضاء سفلي مغلق، تراص فيه أفراد الجوق الموسيقي. بمجرد ما جلسنا، إلتفت الي عفة و قلت لها مستنكرة:

- لا تقولي لي بأن المسرحية الغنائية سيرافقها موسيقيون بآلاتهم؟!                                                                          

- بلي عفاف، أليست المسرحية غنائية؟                                                                     

- وقع سوء فهم علي ما يبدو مني،  أنا ظننت أن المسرحية يستعمل فيها أبطالها الغناء النظيف بالإستناد إلي الصوت فقط و دون الإستعانة بآلات موسيقية. شرحت لها.                                                                                      

فاستغربت عفة:

- كيف يغنون بدون آلات موسيقية، لا تقولي لي أنك تكرهين الموسيقي عفاف؟     

فشعرت عندئذ أنه سيصعب التفاهم معها:

- يا عفة  ! ألا تدرين بأن الآلات الموسيقية محرمة في ديننا؟ رددت عليها.                                                                                                        

هزت رأسها بشكل يوحي أنها تعرف ذلك لكنها أضافت:

- عند بعض المسلمين المتشددين الآلات الموسيقية محرمة و لكن هذا ليس رأي كل المسلمين و إنما عند فئة متطرفة منهم!                                              

فغضبت تماما:

- هل يعني ذلك أنني مسلمة متطرفة يا عفة؟                                             

- أوه ! يا عفاف معذرة لم أكن أقصدك بكلامي، إلا أن موقفك يبدو لي عجيبا ما الضرر في إستعمال آلات موسيقية لتدعيم أصوات غنائية تغني قصائد و نثر ذو معاني مهذبة و عفيفة؟              

- صراحة عفة نختلف كثيرا أنا و أنت في هذه النقطة بالذات ! هناك أحاديث نبوية لا تناقش و بالنسبة لي ما دام نهي الرسول صلي الله عليه و سلم عن إستعمال أدوات الموسيقي فعلينا بالطاعة و الآن لست علي إستعداد للدخول معك في نقاش محتدم حول صحة أو بطلان آلات الموسيقي من وجهة نظر الشرع و بما أن العرض يقترب من الإنطلاق، سأكتفي بمتابعة الأحداث دون سماع أي شيء.

فإستقامت عفة في مقعدها، مندهشة:

- و كيف ذلك؟                                                      

أخرجت من حقيبة يدي، قفلين من مادة القطن المقوي و وضعتهما في أذنايي، هكذا أفعل في الطائرة لكي لا يزعجني صوت المحركات المخيف. لم تتمالك عفة و ضحكت ضحكة خفيفة و طلبت من فاطمة أن تنظر إلي و شرحت لها الموقف، علت الإبتسامة وجه السيدة الهندية أما الفنان الإيراني، فغضب كثيرا لأنه بالنسبة له الموسيقي و الغناء الإيرانيين يستحقان الإستماع و هما فنين في غاية السمو و الرقي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية !

إنتبهت و أنا جالسة أن مقعدي غير بعيد عن الركح، فالتفت إلى السيدة عفة ش. التى تحسن بطلاقة الانجليزية سائلة إياها :

- ترى ما هو موضوع المسرحية ؟ ففى الكراس الذى أهدوه لى لم أجد ملخص لها باللغة العربية  ؟                                                                             

فردت على بابتسامتها المحببة  و بصوت خفيض، قالت:

- تابعى و ستفهمين القصة لوحدك دون حاجة الى ترجمة باللغة العربية و بعد العرض إن شاء الله، سأتولى شرح لك ما استعصى عليك فهمه.

 عملا بنصيحتها إنصب إهتمامى على الركح، بعد لحظات قصيرة إنطفأت الأنوار و أرتفع الستار و وجدت نفسى أغوص فى عالم سحرى، أعادنى إلى زمن سحيق الى عصر لم تكن فارس بعد عرفت دين الاسلام و قد كانت هناك مملكة يحكمها بعدل شديد ملك فارسي صالح و قد كانت أولى المشاهد تصور أواخر عهد هذا الملك و قد كان يصارع الموت، فحرص و هو يحتضر على أن يوصى إبنه  الأمير كعب خيرا بأخته الأميرة رابعة وأن يحافظ على وزيره الأول الذى إتسم حكمه بالحنكة و الحكمة فى إدارة شؤون الرعية.

إلا أن الأمير كعب كان يرى فى وزير أباه المتوفى مزاحما له، فلم يتحمس كثيرا لابقاءه الى جنبه،  غير أنه حرص على إعادة تنصيبه  بمجرد ما وقع حفل تتويجه فى حضرة كبار رجال المملكة و الحاشية و هذا و عيا منه بمكانة الوزير الأول الرفيعة عند رعيته، إلا أن الأميرة رابعة أخت الملك الشاب كانت تتميز بشخصية قوية و فى يوم حفل تنصيب أخاها ملكا على البلاد لم تتردد فى التعبير عن مخاوفها من أن كعب المعروف بقسوة قلبه و أنانيته لن يكون بمثل عدل و رحمة أباهما و بمجرد ما أخذ علم بتحفظات أخته عليه، فكر كعب فى التخلص من أخته بتزويجها من أحد أمراء الممالك المجاورة .

فكانت ردة فعل الأميرة رابعة الرفض البات، فلم يلح كعب و إنما طالبها بأن تعلن ولاءها له و أن تكف من إنتقاد سياسته الاستبدادية فلم تعده بشىء. و أيام بعد ذلك سمع الملك كعب بمحض الصدفة،  شاعر بلاطه  حارث يعبر لصديقه مغنى البلاط عن رغبته فى طلب يد الأميرة رابعة، فثارت ثائرة الملك و توعد الشاعر الشاب بالموت إن لم يتخلى عن فكرة اقترانه بالأميرة و سارع الملك بقبول كل عروض الزواج التى كانت تصل القصر و قد كانت صادرة تلك العروض من أمراء روم ، عرب، صينيون و فرس و وضع الأميرة أمام الأمر الواقع بقبوله لخطبة أمير فارسى لها.  فتتسارع الأحداث لتفضى الأمور الى مواجهة مباشرة بين الشاعر حارث المسنود من طرف شرائح كبيرة من الشعب المتذمر من الحكم المطلق للملك  و بين كعب الذى لم يتراجع عن قراره بتزويج الأميرة رغما عنها حتى بتدخل الوزير الأول الذي كان رافضا لمنطق القهر الذى إنتهجه الملك الشاب مع أخته و مع رعيته فإذا بالملك كعب يزيح وزيره الأول.

 و تنتهى عروض المسرحية بثورة الشعب على الملك كعب و زواج الشاعر حارث بالأميرة رابعة. طوال العرض كنت أتحسر على عدم فهمى للغة الفارسية التى تحتوى كم هائل من العبارات العربية و قد أبهرنى الأداء الممتاز للممثلين و أعجبتنى أيما اعجاب الحبكة المسرحية، كان الديكور  يعبر عن رقة ذوق المهندسين الفنيين الإيرانيين، كانت الألبسة محتشمة إلي أبعد الحدود، يبقي أنه كانت لدي  تحفظاتي حول الموسيقي التي رافقت الأغاني و الإختلاط بين الفنانين!

 كوني أعمل من سنين طويلة في ملف حقوق المرأة المسلمة، كنت علي دراية بحجم تأثير المرأة في وسط يكون فيه إختلاط، فالحضارة الإنسانية كانت مسلمة أو غير مسلمة تعلم جيدا حجم تأثير المرأة و السحر الآسر التي تتميز به. مع العلم أنني  لم ألحظ أى إبتذال أو إسفاف أو أى لون من المجون فى أداء الممثلين مرجان كجين ( الاميرة رابعة) و حسين سحر خيز ( الشاعر حارث) ، فضلا عن الاخراج الجيد.

 أذكر أننى عدت بعد العرض الى إقامة الضيوف في غاية التعب فقد إنخفض بشكل رهيب ضغطي و رغما من ذلك، الوقت المتبقي كان قليلا.  تناولت عشائى مع بعض المشاركين فى المؤتمر الذين كانوا هم بدورهم يستعدون لمغادرة تهران و بعد ما جلست قليلا مع السيدة عفة لأشكرها جزيل الشكر عن إعتنائها بى طوال إقامتى فى تهران. و قد كان يبدو  على محياها معالم التعب الشديد، فمنظموا المؤتمر و من كانوا يشرفون على راحة المشاركين كانوا يعملون بدون انقطاع طوال 16 ساعة يوميا و قد ذهلت أمام طاقتهم و نشاطهم. فالبكاد كانوا يجدون الوقت ليناموا أربعة ساعات متوالية، و عندما جاءت سيارة التشريفات لتقودنى الى المطار شعرت بأننى فى بحر أسبوع تعلمت الكثير و الكثير عن دولة عانت من عزلة كبيرة طوال سنين و مع ذلك صمدت و كسرت كل الحواجز لتجعل من أرضها مكان تلتقى فيه كل التيارات و الأفكار فأنتجت حوارا راقيا حافظ لكل تيار علي خصوصيته و لا أنسي لأقول بأن تعاملي مع الإيرانيين لعشرات السنين أظهر لهم ، أنني كجزائرية مسلمة  لي مواقف صارمة من الكثير من القضايا و من إيران بالذات بحيث تجرأت علي القول لهم : "عندما تكونوا علي حق، أقول لكم أصبتم و عندما تخطأون لا تنتظروا مني أن أصفق لكم بل أصر علي مصارحتكم و القول لكم أنكم مخطأون."                 

قراءة 2710 مرات آخر تعديل على الإثنين, 05 تشرين2/نوفمبر 2018 14:42
عفــــاف عنيبـــــة

أديبة روائية إسلامية أحرر ركنا قارا في الصحافة المستقلة منذ 1994 في الصحف التالية: أسبوعية الوجه الآخر، الحقيقة، العالم السياسي، كواليس و أخيرا البصائر لسان "حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين."

رأيك في الموضوع

{ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18