قال الله تعالى

 {  إِنَّ اللَّــهَ لا يُغَيِّــرُ مَـا بِقَــوْمٍ حَتَّــى يُـغَيِّـــرُوا مَــا بِــأَنْــفُسِــــهِـمْ  }

سورة  الرعد  .  الآيـة   :   11

ahlaa

" ليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، و إنما المهم أن نرد إلي هذه العقيدة فاعليتها و قوتها الإيجابية و تأثيرها الإجتماعي و في كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم علي وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده و نملأ به نفسه، بإعتباره مصدرا للطاقة. "
-  المفكر الجزائري المسلم الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله  -

image-home

لنكتب أحرفا من النور،quot لنستخرج كنوزا من المعرفة و الإبداع و العلم و الأفكار

الأديبــــة عفــــاف عنيبـــة

السيـــرة الذاتيـــةالسيـــرة الذاتيـــة

أخبـــار ونشـــاطـــاتأخبـــار ونشـــاطـــات 

اصــــدارات الكـــــاتبــةاصــــدارات الكـــــاتبــة

تـــواصـــل معنــــــاتـــواصـــل معنــــــا


تابعنا على شبـكات التواصـل الاجتماعيـة

 twitterlinkedinflickrfacebook   googleplus 


إبحـث في الموقـع ...

ألبــــوم الصــــور

مواقــع مفيـــدة

rasoulallahaomabinbadisbassairveccosassalachihabbinnabilejeunemusulmansultan cerhso shamela wefaqdev iktab
الأحد, 16 شباط/فبراير 2014 11:57

نداء مقبرة العالية

كتبه  عفاف عنيبة
نداء مقبرة العالية

في أواسط التسعينيات من القرن الماضي، استيقظ فيّ هاجس غامض كان يتمتم لي في أذنَيْ "عفاف اذهبي إلى مقبرة العالية"، تلك الكلمات التي جاءت في ثوب نداء عنيد رافقتني لأكثر من عشرين سنة، حينها لم أدري السبب، ولم أرغب في معرفته، لأني كنت أقابل ذلك الصوت الهاجس بما يلي: "لن أذهب إلى مقبرة العالية، بإمكاني الترحم على موتى تلك المقبره بدون الحاجة إلي التنقل إلي عين المكان".

 كنت أكثر عنادا من الصوت الهاجس، لم أكن أرى ضرورة لانتقالي لمقبرة العالية التي كانت بعيدة عن بيتي،  و لم تكن لديّ وسيلة نقل، ثم ما كنت لأسمح لنفسي بأن أزعج أبي بطلب عجيب مثل هذا: "بابا خذني لمقبرة العالية".

كان حتما سينظر إليّ نظرة استفهام، و ما كنت لأقدر على تفسير أي شيء له،  ماذا كنت سأقول؟ أنني أخضع في طلبي لصوت هاجس يؤرقني داخليا.

فمن المؤكد كان سيجيبني: "عفاف ترحَّمي على موتى مقبرة العالية من هنا، هذا كاف، و لا تستجيبي لذلك النداء الغامض".

ثم إنني كنت مشغولة في التسعينيات بعملي كروائية في العلوم السياسية الاستشرافية، و بسبب ذلك أزعجت بزياراتي المتكررة مع أخي، دبلوماسي غربي، لأفك شيفرة موقف إدارته من القضية الفلسطينية، التي كنت بصدد كتابة مجموعة قصصية استشراقية عنها، لأروي فيها ما تكون عليه فلسطين و الفلسطينيين في 2040، و قد تطلّب ذلك العمل القصصي جهد ضخم، دفع بإحدى صديقاتي للثورة علي، حيث صرخت في وجهي، في يوم مشرق من أيام ربيع 1996، قائلة: "عجبا!! بلدك الجزائر تحترف بنار خلاف سياسي و أنت مشغولة بعملاء اتفاقيات أوسلو!!!".

كان يصعب عليّ أن أشرح لها بأن كتابة تلك المجموعة القصصية واجب عقائدي، و وسيلة مثلى للهروب من واقع دامي كنت أرفضه جملة و تفصيلا. هذا، و شاء الله عز وجل أن أستقبل شهادات من ناس أعرفهم و آخرون لا أعرفهم، عن انتهاكات حقوق الإنسان، كان يرتكبها أطراف النزاع المندلع في بلادي، فكنت أكتفي بتسجيل تلك الانتهاكات، و دراسة الظروف المحيطة بها، و التصميم أكثر من أي وقت مضى على موقفي المعارض لنافذين فاسدين في الدولة الجزائرية، و مخطئين في المعارضة، و هذا عبر قلمي، و قد بدأت مغامرة كتابة مقالات ذات طابع فكري سياسي منذ 1994، بعد انضمامي لرابطة الإبداع الوطنية، بالرغم من أن  مشاركتي في هذه الرابطة لم تدم كثيرا، إلا أنني خرجت من تجربتي تلك بتجربة أخرى أغنى، و هي الكتابة الفكرية في الإعلام الجزائري، و قد دامت كتابتي لركن قار في الصحافة الوطنية الجزائرية لأكثر من 19 سنة.

 في وسط كل تلك الأحداث كان يزروني النداء بانتظام شديد: "عفاف اذهبي إلى مقبرة العالية".

في أواخر الجزء الثاني من التسعينيات، و بعد أدائي صلاة المغرب على الأرجح، جلست على سجادتي و دعوت الله صادقة و مخلصة أن يمكنني من الوقوف على ثلاثة قبور: "قبر الرئيس كنيدي أولا، ثم قبر السيد الخميني رحمه الله، و أخيرا قبر سيد الأنام و أعظم الخلق محمد صلى الله عليه و سلم"، و سبحان الله، فقد حقق لي الله عز و جل أمنية الوقوف على قبر السيد الخميني في 2004،  و بعده الرئيس كنيدي في ،2006  و أما قبر سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة و السلام فلم أتمكن إلى حد الساعة من أداء العمرة أو فريضة الحج و أدعو الله أن يقدر لي ذلك.

 لم أبالي حينها بالنداء الهاجس الذي كانت تشتد نبرته الآمرة في مطالبتي بزيارة مقبرة العالية، و بعد عام 2000م وقع تحول في موقفي، بت أفكر جديا في زيارة مقبرة العالية، و لكن الظروف بصفة عامة لم تسمح لي بذلك.

 إلاّ أن وفاة الرئيس بن بلة -رحمه الله- جعلتني أحسم أمري، و أقرر زيارة مقبرة العالية، خصوصا و أن النداء أصبح دويه كبير في رأسي: ‘اذهبي إلى مقبرة العالية يا عفاف".

شاءت الأقدار أن لا أذهب، ثم فجعنا في موت المناضل الأستاذ عبد الحميد مهري، و تبعه الرئيس الشاذلي بن جديد رحمهم الله، و مباشرة بعدما وريَّ التراب الرئيس الشاذلي بن جديد، أخبرت والدتي حفظها الله بنيتي في زيارة مقبرة العالية. استمعت لي صامتة و أكتفت بأن توميء برأسها مظهرة بذلك موافقتها على زيارتي تلك، و من أسابيع فقط، فاجأت صديقة الطفولة "أ.م" بطلبي عبر الهاتف:

-هل تذكرين أنني طلبت منك العام الماضي أن ترافقيني إلى مقبرة العالية؟ سألتها.

-بلى و لم يتحقق لنا ذلك السنة الفارطة.

-طيب، علينا الذهاب هذه الجمعة بعد الصلاة الجامعة، هل أنت موافقة؟

-نعم لكن هل يجوز لنا زيارة الموتى بعد صلاة الجمعة؟

-هذا التفصيل لا يهمني حاليا، المهم أكدي لي موعد ذهابنا يوم قبل الزيارة.

-موافقة.

يوم قبل الزيارة، اعتذرت لي صديقة الطفولة عن الموعد، و أجلناه إلى صبيحة يوم الاثنين الذي يلي تلك الجمعة.

في صبيحة يوم الإثنين غادرت البيت و السماء ملبدة بسحاب كثيف، ركبت عربة صديقة الطفولة و هي جارتنا، سلمنا على بعضنا، ثم ربطنا أحزمتنا الأمنية و توكلنا على الله.

-عفاف هل تعرفين طريق مقبرة العالية؟ سألتني صديقتي.

-لا.

-طيب، لنذهب إليها عبر الطريق السريع.

لدقائق من الزمن بقيت صامتة و قد لاحظت ذلك صديقتي:

-ما بك عفاف؟ وجهك يشي بأمر جلل؟

-لا أدري ما أقوله لك.

و عملت على صرف نظرها عن صمتي، بسؤالها و الاستماع إليها و لأخبارها، تحدثنا حول مواضيع هامة لكن من حين لآخر كانت تنظر إليّ صديقتي، و كونها كانت نابهة جدا أدركت بحدسها أنني كنت لا أرغب في الحديث عن زيارتنا الحالية لمقبرة العالية.

المثير أننا عندما وصلنا و سألنا عند مدخل إقامة جامعة باب الزوار عن المدخل الصحيح للمقبرة. أشار إلينا الحارس بأن الطريق المؤدي للمقبرة، خلفنا مباشرة. فاضطرت الصديقة، لتعود أدراجها، و أخذنا نفس الطريق ثانية، و لمحنا و لله الحمد الجدار الذي يحد الطريق المؤدي إلى المقبرة، أخذناه و سرنا فيه على وجل لأنه كان خاليا و ممتدا أمامنا، و كانت أطراف الطريق فيها أوساخ أكرمكم الله، فلاحظت لي صديقتي:

-يستحيل أن يكون هذا المدخل الرسمي للمقبرة، لم أرى عبر شاشة التلفزيون جنائز رؤساءنا تمر عبر هذا الطريق الكئيب حقا.

وافقتها في صمت. كنا نتقدم ثم رأينا باب حديدي، سألنا نساء خارجات منه:

-هل هذه، مقبرة العالية؟ سألت إحداهن.

-نعم، تقدمن بالسيارة عبر ممر معبّد، فالقبور في طريقكم. ردت عليّ إحدى النسوة.

نظرنا إلى بعضنا البعض أنا و صديقتي، ثم انطلق محرك السيارة من جديد  داخل المقبرة، كنا مصدومات مما رأيناه، أكوام من العشب و الأغصان الميتة جنبا إلى جنب مع الأوساخ أكرمكم الله، القبور مبعثرة على يميننا و شمالنا، الأشجار مسنة و أغصانها ذابلة، كان فعلا منظرا حزينا.

-ياه عفاف أنظري على يسارك من فضلك، نبهتني صديقتي بصوت متهدج ، فإذا بي ألمح مصعوقة قبور النصارى إلي جنب قبور المسلمين في مساحة أرض واحدة. يا إلهي! ما هذا ؟ كيف يدفن الكافر و المسلم جنبا إلى جنب لا يفصلهم إلا ممر أو طريق معبّد؟؟

و فجأة انتبهت إلى الصوت الهاجس و هو يخاطبني بشكل مختلف تماما هذه المرة: "الحمد لله وصلتِ، انزلي الآن و اذهبي إلى قبرَيْ الرئيس الشاذلي بن جديد و الرئيس بن بلة".

فسألت صديقتي:

-أين هي الجهة المخصصة في العالية لدفن كبار الشخصيات؟

-أظن أنها أمامنا، نعم هل ترين النظافة و الترتيب الجميل هناك، حتما هناك المكان الرسمي  لكبار رجال الدولة.

فقلت، بمرارة:

-حتي في الموت، هناك مقابر درجة أولى، و أخرى درجة ثانية.

-صحيح، و لكن هذا بفعل سياسات ولاّة أمورنا، و صمت أفراد الشعب.

استدرنا في الطريق، و كادت سيارة تصدمنا من الخلف لأن صديقتي في غمرة بحثها عن المدخل للجهة الرسمية وضعت السيارة في حالة سير بطيئة جدا، حمدنا الله على نجاتنا من حادث. أمتار بعد ذلك أشار إلينا أحد الحراس بأن نركن السيارة يمينا.

وضعنا السيارة في مكان آمن، نزلنا، أغلقنا الأبواب، و أكدت صديقتي الغلق الأمني الآلي، ثم توجهنا إلي الباب الحديدي المغلق أمامنا، و قد كان على وشك أن يفتحه الحارس أمام الزوار الذين أتوا في عائلات، سألت الحارس:

في أي جهة مدفون الرئيس الشاذلي بن جديد و الرئيس بن بلا رحمهما الله؟

فرد عليّ:

على يمينك، و أما الأمير عبد القادر فهو على يسارك هناك بما أنك سورية آتية من دمشق، أليس كذلك سيدتي؟

فتجهم وجهي و قلت للرجل بلهجة غاضبة:

-لست مضطرة للقول لك ما هي جنسيتي، المهم أنني مسلمة.

ثم سحبت صديقتي من يدها و دخلت مباشرة إلى المقبرة.

فأنبتني بشدة:

-يا إلهي!!! يا عفاف الرجل لم يقصد شرا بل من لهجتك الشامية ظن أنك من أهل الشام، لم أجبته بهذه القسوة؟

لم أجب صديقتي و تركتها لأذهب خلف قبر[1] الرئيس الشاذلي بن جديد، نزعت نظارات الشمس و ألقيتها مع حقيبة اليد على تراب الأرض، ثم توجهت باتجاه القبلة، و قمت بتحية الرئيس في قبره تحية عسكرية ثم ركعت في التراب و دعوت الله أن يغفر له ويسكنه فسيح جنانه، ثم نهضت و قمت بنفس الأفعال مع قبر الرئيس بن بلة، و بعدها أعدت النظارات السوداء على عيني، أخذت حقيبتي و قفلت راجعة إلى السيارة، فأوقفتني صديقتي:

-هيه عفاف! أترين قبور الشهداء هناك، و هذا قبر الرئيس بومدين على بعد أمتار منا.

فتوجهت إلي قبر الرئيس بومدين لكن الصوت الهاجس طردني:

-انتهت زيارتك إلى مقبرة العالية! ارحلي الآن و فورا!

فعدت أدراجي و طلبت من صديقتي المغادرة سريعا.

أطاعتني و غادرنا. خرجنا من المقبرة بالسيارة من المدخل الرسمي، و بمجرد ما وجدنا نفسينا في الطريق السريع، اختفى إلى الأبد ذلك الصوت الهاجس الذي أرقني لأكثر من عشرين سنة.

-عفاف لماذا أتيت إلى مقبرة العالية؟ سألتني حينها صديقتي.

-أصارحك القول أختي، جئت تلبية لصوت داخلي ما فتئ لأكثر من عشرين سنة يطلب مني هذا الطلب بزيارة مقبرة العالية، و ها أنك ساعدتني اليوم على تلبية طلب هذا النداء الغامض الآت من اللامكان واللازمان، لست قادرة على شرح لك أي شيء، لكن ما فعلته اليوم جعلني أرتاح، فبورك فيك.

نظرت إليّ صديقتي للحظات قصيرة، و بعدها استدارت، ومنذ تلك اللحظة لم تعاود أبدا سؤالي عن مغزى زيارتي لمقبرة العالية رفقتها في ذلك اليوم.



[1] الشهادة لله يجب أن أعلم القراء الكرام بأن قبور الشهداء و الرؤساء الجزائريين هم عبارة علي قطع ضخمة من الرخام الفخم و العالي، بحيث لا نستطيع أن نرى سطح قطعة الرخام الموضوعة مباشرة على حفرة القبر!!!

قراءة 830 مرات آخر تعديل على الأحد, 26 آذار/مارس 2017 17:35

رأيك في الموضوع

{ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18

1 تعليق

  • تعليق Markus الجمعة, 01 أيلول/سبتمبر 2017 06:46 أرفق Markus

    I think the admin of this website is in fact working
    hard for his web page, since here every data is quality based stuff.

    تبليغ