قال الله تعالى

 {  إِنَّ اللَّــهَ لا يُغَيِّــرُ مَـا بِقَــوْمٍ حَتَّــى يُـغَيِّـــرُوا مَــا بِــأَنْــفُسِــــهِـمْ  }

سورة  الرعد  .  الآيـة   :   11

ahlaa

" ليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، و إنما المهم أن نرد إلي هذه العقيدة فاعليتها و قوتها الإيجابية و تأثيرها الإجتماعي و في كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم علي وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده و نملأ به نفسه، بإعتباره مصدرا للطاقة. "
-  المفكر الجزائري المسلم الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله  -

image-home

لنكتب أحرفا من النور،quot لنستخرج كنوزا من المعرفة و الإبداع و العلم و الأفكار

الأديبــــة عفــــاف عنيبـــة

السيـــرة الذاتيـــةالسيـــرة الذاتيـــة

أخبـــار ونشـــاطـــاتأخبـــار ونشـــاطـــات 

اصــــدارات الكـــــاتبــةاصــــدارات الكـــــاتبــة

تـــواصـــل معنــــــاتـــواصـــل معنــــــا


تابعنا على شبـكات التواصـل الاجتماعيـة

 twitterlinkedinflickrfacebook   googleplus  


إبحـث في الموقـع ...

  1. أحدث التعليــقات
  2. الأكثــر تعليقا

ألبــــوم الصــــور

e12988e3c24d1d14f82d448fcde4aff2 

مواقــع مفيـــدة

rasoulallahbinbadisassalacerhso  wefaqdev iktab
الأربعاء, 27 كانون2/يناير 2016 07:52

تسامح الإسلام مع غير المسلمين 4/4

كتبه  سكينة.كوم
قيم الموضوع
(1 تصويت)

111- عن سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل و محيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر و هي يومئذ صلح فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل و هو يتشحط في دمه قتيلاً فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل و محيصة و حويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه و سلم، فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: ((كبر كبر)). و هو أحدث القوم فسكت، فتكلما فقال: ((تحلفون و تستحقون قاتلكم أو صاحبكم)). قالوا :و كيف نحلف و لم نشهد و لم نر؟ قال: ((فتبرئكم يهود بخمسين)). فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار فعقله النبي صلى الله عليه و سلم من عنده(149).

فوائد الحديث: رفض النبي صلى الله عليه و سلم أن يتعرض لليهود مع غلبة الظن في قتل عبد الله بن سهل، لأن اليهود كانوا أهل عهد وذمة.

112- عن عبد الله بن عباس: أن أبا سفيان بن حرب أخبره: أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش كانوا تجارا بالشأم في المدة التي ماد فيها رسول الله … تقدم الحديث(150).

 قال ابن حجر: قال ابن بطال: أشار البخاري بهذا إلى أن الغدر عند كل أمة قبيح مذموم و ليس هو من صفات الرسل(151).

113- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((أربع خلال من كن فيه كان منافقا خالصاً من إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و إذا عاهد غدر و إذا خاصم فجر. و من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها))(152).

قال ابن حجر: الغدر حرام باتفاق سواء كان في حق المسلم أو الذمي. 
و قال أيضا: و فيه علم من أعلام النبوة و التوصية بالوفاء لأهل الذمة لما في الجزية التي تؤخذ منهم من نفع المسلمين, و فيه التحذير من ظلمهم و أنه متى وقع ذلك نقضوا العهد فلم يجتب المسلمون منهم شيئا فتضيق أحوالهم(153).

114- عن سعد بن أبي وقاص قال: لما قدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة جاءت جهينة فقالوا له: أنت قد نزلت بين أظهرنا فما وثقنا حتى نأمنك و تأمنا قال: فأوثق لهم و لم يسلموا(154).

115- و بوّب البخاري  أيضاً في (كتاب الجزية و الموادعة)، (باب إثم الغادر للبر و الفاجر): عن أنس: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ((لكل غادر لواء يوم القيامة قال أحدهما ينصب و قال الآخر يرى يوم القيامة يعرف به))(155).

116- عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا و لا غادر أعظم غدراً من أمير عامة))(156).

قال النووي: و في هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين, و قيل لأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء كما جاء في الحديث الصحيح في تعظيم كذب الملك, و المشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر, و ذكر القاضي عياض احتمالين أحدهما هذا, و هو نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته و للكفار و غيرهم(157).

117- عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد و خدمهم))(158).

118- عن عاصم بن عبيد الله أن النبي صلى الله عليه و سلم قـال: ((إنها ستكون من بعدي أمراء يصلون الصلاة لوقتها و يؤخرونها عن وقتها فصلوها معهم؛ فإن صلوها لوقتها و صليتموها معهم فلكم و لهم, و إن أخروها عن وقتها فصليتموها معهم فلكم و عليهم، من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية, و من نكث العهد و مات ناكثاً للعهد جاء يوم القيامة لا حجة له)). قلت له: من أخبرك هذا الخبر؟ قـال: أخبرنيه عبـد الله بن عامر بن ربيعـة عن أبيه عامر بن ربيعة يخبر عامر بن ربيعة عن النبي صلى الله عليه و سلم (159).

119-قال ابن إسحاق: و لما انتهى رسول الله صلى الله عليه و سلم الى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب إيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه و سلم و أعطاه الجزية، و أتاه أهل جرباء و أذرح و أعطوه الجزية, و كتب لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم كتاباً فهو عندهم، و كتب ليحنة بن رؤبة و أهل إيلة: ((بسم الله الرحمن الرحيم هذه أمنة من الله و محمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة و أهل إيلة سفنهم و سيارتهم في البر و البحر لهم ذمة الله و محمد النبي و من كان معهم من أهل الشام و أهل اليمن و أهل البحر؛ فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحول ماله دون نفسه, و أنه طيب لمن أخذه من الناس, و أنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه و لا طريقاً يردونه من بر أو بحر)). زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق بعد هذا: و هذا كتاب جهيم بن الصلت و شرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله صلى الله عليه و سلم (160).

120-وعن إبن اسحاق قال: وكتب لأهل جرباء وأذرح: ((بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي رسول الله صلى الله عليه و سلم لأهل جرباء و أذرح أنهم آمنون بأمان الله و أمان محمد, و أن عليهم مائة دينار في كل رجب و مائة أوقية طيبة, و أن الله عليهم كفيل بالنصح و الإحسان إلى المسلمين, و من لجأ اليهم من المسلمين)). قال: و أعطى النبي صلى الله عليه و سلم أهل أيلة برده مع كتابه أماناً لهم قال: فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن محمد بثلثمائة دينار(161).

121- و قال ابن إسحق: و كتب للأسقف هذا الكتاب و لأساقفة نجران بعده: ((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي للأسقف أبي الحارث و أساقفة نجران و كهنتهم و رهبانهم و كل ما تحت أيديهم من قليل و كثير جوار الله و رسوله لا يغير أسقف من أسقفته و لا راهب من رهبانيته و لا كاهن من كهانته و لا يغير حق من حقوقهم و لا سلطانهم و لا ما كانوا عليه من ذلك جوار الله و رسوله أبداً ما أصلحوا و نصحوا عليهم غير مبتلين بظلم و لا ظالمين)). و كتب المغيرة بن شعبة(162).

122- عن ابن عباس قال: صالح رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر و البقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين و عارية ثلاثين درعاً، و ثلاثين فرساً، و ثلاثين بعيراً، و ثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها و المسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد أو غدرة على أن لاتهدم لهم بيعة و لايخرج لهم قس و لايفتنوا على دينهم ما لم يحدثوا حدثاً أو يأكلوا الربا(163).

123- عن سويد بن غفلة قال: كنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه و هو أمير المؤمنين بالشام فأتاه نبطي مضروب مشجج مستعدي فغضب غضباً شديداً فقال لصهيب: انظر من صاحب هذا فانطلق صهيب؛ فإذا هو عوف بن مالك الأشجعي فقال له: إن أمير المؤمنين قد غضب غضباً شديداً فلو أتيت معاذ بن جبل فمشى معك إلى أمير المؤمنين؛ فإني أخاف عليك بادرته فجاء معه معاذ؛ فلما انصرف عمر من الصلاة قال: أين صهيب فقال: أنا هذا يا أمير المؤمنين قال: أجئت بالرجل الذي ضربه؟ قال: نعم. فقام إليه معاذ بن جبل فقال: يا أمير المؤمنين إنه عوف بن مالك فاسمع منه و لا تعجل عليه. فقال له عمر: ما لك و لهذا؟ قال: يا أمير المؤمنين رأيته يسوق بامرأة مسلمة فنخس الحمار ليصرعها: فلم تصرع ثم دفعها فخرت عن الحمار ثم تغشاها ففعلت ما ترى. قال: ائتني بالمرأة لتصدقك فأتى عوف المرأة فذكر الذي قال له عمر رضي الله عنه قال أبوها و زوجها: ما أردت بصاحبتنا فضحتها فقالت المرأة: و الله لأذهبن معه إلى أمير المؤمنين؛ فلما أجمعت على ذلك قال أبوها و زوجها: نحن نبلغ عنك أمير المؤمنين، فأتيا فصدقا عوف بن مالك بما قال. قال: فقال عمر لليهودي: و الله ما على هذا عاهدناكم فأمر به فصلب. ثم قال: يا أيها الناس فوا بذمة محمد صلى الله عليه و سلم فمن فعل منهم هذا فلا ذمة له. قال سويد بن غفلة: و إنه لأول مصلوب رأيته. تابعه بن أشوع عن الشعبي عن عوف بن مالك(164).

فوائد الحديث: فيه سماحة و عدل الإسلام فقد غضب عمر رضي الله عنه لظلم المعاهد.

124- عن أنس بن مالك قال: ما خطبنا نبي الله صلى الله عليه و سلم إلا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له و لا دين لمن لا عهد له))(165).

125- و قال محمد بن اسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يصيب أصحابه من البلاء و ما هو فيه من العافية بمكانه من الله عز و جل و من عمه أبي طالب و أنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، و هي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه؛ فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة, و فرارا إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الاسلام(166).

126- عن أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا و عبدنا الله تعالى لا نؤذى و لا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين و أن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة, و كان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم، فجمعوا له أدماً كثيراً, و لم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هديـة، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي و عمرو بن العاص بن وائل السهمي, و أمروهما و قالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا فقدما على النجاشي و نحن عنده بخير دار و خير جار؛ فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي ثم قال لكل بطريق منهم: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم و لم يدخلوا في دينكم, و جاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن و لا أنتم, و قد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليهم؛ فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا و لا يكلمهم؛ فإن قومهم أعلى بهم عيناً و أعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما: نعم ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم و لم يدخلوا في دينك و جاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن و لا أنت, و قد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم و أعمامهم و عشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عيناً و أعلم بما عابوا عليهم و عاتبوهم فيه. قالت: و لم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة و عمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك قومهم أعلى بهم عيناً و أعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليردانهم إلى بلادهم و قومهم قال: فغضب النجاشي ثم قال: لا هايم الله إذاً لا أسلمهم إليهما و لا أكاد قوماً جاوروني و نزلوا بلادي و اختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم؛ فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما و رددتهم إلى قومهم و إن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما و أحسنت جوارهم ما جاوروني(167).

فوائد الحديث: جواز الدخول في أمان المشرك, فقد كان النجاشي مشركاً لما أمنهم و دخلوا في أمانه, و فيه ما تعارف عليه السلاطين و الملوك من قبل الإسلام و أقره الإسلام من احترام المستأمن و الوفاء بعهده.

127- عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: لم أعقل أبوي قط إلا و هما يدينان الدين, و لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم طرفي النهار بكرة و عشية؛ فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً قبل الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة و هو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج و لا يخرج؛ فإنك تكسب المعدوم و تصل الرحم و تحمل الكل و تقري الضيف و تعين على نوائب الحق و أنا لك جار؛ فارجع فاعبد ربك ببلادك فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش. فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله و لا يخرج أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم و يصل الرحم و يحمل الكل و يقري الضيف و يعين على نوائب الحق. فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة و آمنوا أبا بكر. و قالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل و ليقرأ ما شاء, و لا يؤذينا بذلك و لا يستعلن به؛ فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا و نساءنا. قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر؛  فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره و لا يستعلن بالصلاة و لا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره و برز؛ فكان يصلي فيه و يقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين و أبناؤهم يعجبون و ينظرون إليه, و كان أبو بكر رجلاً بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين؛ فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره و إنه جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره و أعلن الصلاة و القراءة, و قد خشينا أن يفتن أبناءنا و نساءنا فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل, و إن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك؛ فإنا كرهنا أن نخفرك و لسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه؛ فإما أن تقتصر على ذلك, و إما أن ترد إلي ذمتي؛ فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. قال أبو بكر: إني أرد لك جوارك و أرضى جوار الله,  و رسول الله صلى الله عليه و سلم يومئذ بمكة(168).

فوائد الحديث: جواز الدخول في أمان المشرك.

128- عن ذي مخمر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ((تصالحون الروم صلحاً آمنا و تغزون أنتم و هم عدواً من ورائهم فتسلمون و تغنمون ثم تنزلون بمرج ذي تلول فيقوم إليه رجل من الروم فيرفع الصليب و يقول:  ألا غلب الصليب فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله؛ فعند ذلك تغدر الروم و تكون الملاحم فيجتمعون إليكم فيأتونكم في ثمانين غاية مع كل غاية عشرة آلاف))(169).

فوائد الحديث: جواز الدخول في صلح مع المشركين, و سيبقى المسلمون يتصالحون إلى آخر الزمان كما في هذا الحديث.

129- عن جابر رضي الله عنه قال: كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم على كل بطن عقولة(170).

130- و قال محمد بن إسحاق: كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم كتاباً بين المهاجرين و الانصار و ادع فيه اليهود, و عاهدهم, و أقرهم على دينهم و أموالهم, و اشترط عليهم؛ و شرط لهم: ((بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي الأمي بين المؤمنين و المسلمين من قريش و يثرب و من تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم, و هم يفدون عانيهم بالمعروف و القسط، و بنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى و كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين))، ثم ذكر كل بطن من بطون الأنصار و أهل كل دار: بني ساعدة و بني جشم و بني النجار و بني عمرو بن عوف و بني النبيت إلى أن قال: ((و إن المؤمنين لا يتركون مفرحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء و عقل, و لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه, و إن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيسة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين, و إن أيديهم عليه جميعهم و لو كان ولد أحدهم, و لا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر, و لا ينصر كافر على مؤمن, و إن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم, و إن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس, و أنه من تبعنا من يهود؛ فإن له النصر و الأسوة غير مظلومين, و لا متناصر عليهم, و إن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء و عدل بينهم, و إن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً, و إن المؤمنين يبىء بعضهم بعضاً بما نال دماءهم في سبيل الله, و إن المؤمنين المتقين على أحسن هدى و أقومه, و إنه لا يجير مشرك مالا لقريش و لا نفساً و لا يحول دونه على مؤمن, و إنه من اغتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود به إلى أن يرضى ولي المقتول, و إن المؤمنين عليه كافة و لا يحل لهم الا قيام عليه, و إنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة و آمن بالله و اليوم الآخر أن ينصر محدثاً و لا يؤويه, و إنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله و غضبه يوم القيامة, و لا يؤخذ منه صرف و لا عدل, و إنكم مهما اختلفتم فيه من شيء؛ فإن مرده الى الله عز و جل و إلى محمد صلى الله عليه و سلم, و إن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين, و إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم و للمسلمين دينهم مواليهم و أنفسهم إلا من ظلم و أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه و أهل بيته, و إن ليهود بني النجار و بني الحارث و بني ساعدة و بني جشم و بني الأوس و بني ثعلبة و جفنة و بني الشطنة مثل ما ليهود بني عوف, و إن بطانة يهود كأنفسهم و إنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد و لا ينحجر على ثار جرح، و إنه من فتك فبنفسه إلا من ظلم, و إن الله على أثر هذا, و إن على اليهود نفقتهم و على المسلمين نفقتهم, و إن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة, و إن بينهم النصح و النصيحة و البر دون الإثم, و إنه لم يأثم امرؤ بحليفه, و إن النصر للمظلوم, و إن يثرب حرام حرفها لأهل هذه الصحيفة, و إن الجار كالنفس غير مضار و لا آثم, و إنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها, و إنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده؛ فإن مرده إلى الله و إلى محمد رسول الله, و إن الله على من اتقى ما في هذه الصحيفة و أبره, و إنه لا تجار قريش و لا* من نصرها وإن بينهم النصر على من دهم يثرب, وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه, وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم, وإنه من خرج آمن, ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم, وإن الله جار لمن بر واتقى))(171).

فوائد الحديث: جواز الدخول في صلح مع المشركين سواء أكانوا من أهل الكتاب أو غيرهم.
 
جواز الصدقة على أهل الذمة والعهد والأمان إذا كانوا فقراء

131- عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا فرخص لهم فنزلت هذه الاية: (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) [البقرة:272](172).

132- وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا أحمد بن القاسم بن عطية حدثنا أحمد بن عبد الرحمن يعني الدشتكي حدثني أبي عن أبيه حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الاسلام حتى نزلت هذه الآية: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين(173).

133- وعن عبد الله بن الزبير  رضي الله عنهما قال: قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا صناب وأقط وسمن وهي مشركة فأبت أسماء أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} إلى آخر الآية، فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها. والحديث أصله في الصحيحين وسيأتي(174).

وقال ابن كثير في قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان:8]. قال ابن عباس: كان أسراهم يومئذ مشركين. ويشهد لهذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء. وقال عكرمة: هم العبيد واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك، وهكذا قال سعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة(175).

134- عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر يوصي الحافر: ((أوسع من قبل رجليه أوسع من قبل رأسه)). فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فمه ثم قال: ((أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها)). فأرسلت المرأة قالت: يارسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة؛ فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إلي بها بثمنها؛ فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أطعميه الأسارى))(176).

فوائد الحديث: فيه الإحسان إلى الأسارى، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإطعامهم.

135- عن الثوري عن أبي إسحاق: أن عمرو بن شرحبيل كان يعطي زكاة الفطر الرهبان من أهل الذمة, وكان غيره يقول يعطيها المسلمين(177).

136- عن إبراهيم النخعي قال: لا يعطى اليهودي ولا النصراني من الزكاة يعطون من التطوع(178).

137- عن الشعبي سئل عن إطعام اليهودي والنصراني في الكفارة؟ قال: يجزئه وقال الحكم: لا يجزئه.

138- وقال إبراهيم: أرجو أن يجزئه إذا لم يجد مسلمين ويعطي المكاتب وذا الرحم لا يجبر على نفقته(179).

139- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا نخرج زكاة الفطر على كل نفس نعولها وإن كان نصرانياً(180).

140- عن ابن عباس رضي الله عنه قال: يخرج الرجل زكاة الفطر عن مكاتبه وعن كل مملوك له وإن كان يهودياً أو نصرانياً(181).

141- عن أبي ميسرة: أنه كان يعطي الرهبان من صدقة الفطر(182).

142- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً وكان أحب أمواله إليه بيرحى وكانت مستقبلة المسجد, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ)، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله يقول في كتابه: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ)، وإن أحب أموالي إلى بيرحى, وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بخ ذلك مال رابح قد سمعت ما قلت فيها, وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)). فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه(183).

فوائد الحديث: جواز الصدقة على المشركين وخصوصاً إذا كانوا أقارب, وعليه بوب النووي على هذا الحديث (باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين).

143- عن أبي رزين قال: كنت مع شقيق بن سلمة فمر عليه أسارى من المشركين فأمرني أن أتصدق عليهم ثم تلا هذه الآية: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)(184).

144- عن سعيد بن جبير و عطاء – في قوله تعالى -: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، قالا: من أهل القبلة وغيرهم(185).

145- عن الحسن في قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) قال: الأسارى من أهل الشرك(186).

146- عن جابر بن زيد قال: سئل عن الصدقة في من توضع؟ فقال: في أهل المسكنة من المسلمين وأهل ذمتهم. وقال: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم في أهل الذمة من الصدقة والخمس(187).

الحكم بين أهل الذمة

147- عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم يهودياً ويهودية(188).

الترمذي (1436) باب  ما جاء في رجم أهل الكتاب
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: إذا اختصم أهل الكتاب وترافعوا إلى حكام المسملين حكموا بينهم بالكتاب والسنة وبأحكام المسملين، وهو قول أحمد وإسحق. 
وقال بعضهم: لا يقام عليهم الحد في الزنا والقول الأول أصح.

148- عن الزهري في  قوله تعالى: (فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) [المائدة:42]، قال: مضت السنة أن يردوا في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم إلا أن يأتوا راغبين في حد نحكم بينهم فيه فنحكم بينهم بكتاب الله. وقد قال الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ)[المائدة:42](189).

149- عن الأشعث قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألك بينة؟)). قلت: لا. قال لليهودي: ((احلف)). قلت: يارسول الله إذاً يحلف ويذهب بمالي. فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً ..} إلى آخر الآية(190).

فوائد الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لليهودي وهو مشرك، لأن الأشعث لم يكن معه بينة، فهو دليل على سماحة الإسلام وعدله, وأن اختلاف الدين لا يمنع من الحكم بالعدل.

150- عن ابن عباس قال: لما نزلت الآية: (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ*وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) الآية. قال: كان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة أدوا نصف الدية، وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير أدوا إليهم الدية كاملة، فسوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم(191).

قبول شهادة غير المسلمين

قال البخاري: (باب قول الله تعالى): (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ  * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ  * ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)[المائدة:106- 108].

151- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم؛ فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً من ذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وجد الجام بمكة فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أوليائه فحلفا {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا}، وإن الجام لصاحبهم. قال وفيهم نزلت هذه الآية: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}(192).

قال ابن حجر: واستدل بهذا الحديث على جواز شهادة الكفار بناء على أن المراد بالغير الكفار, والمعنى (منكم) أي من أهل دينكم، (أو آخران من غيركم) أي من غير أهل دينكم, وبذلك قال أبو حنيفة ومن تبعه(193).

152- عن يحيى بن وثاب عن شريح: أنه كان يجيز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض(194).

153- عن عامرالشعبي: أنه أجاز شهادة يهودي على نصراني أو نصراني على يهودي(195).

154- عن ابن سيرين قال: شهدت شريحاً أجاز شهادة قوم من أهل الشرك بعضهم على بعض بخفافهم نقع(196).

155- عن إبراهيم الصائغ قال: سألت نافعاً عن شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض فقال: تجوز(197).

156- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما تجدون في التوراة في شأن الرجم))؟. فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده؛ فإذا فيها آية الرجم فقالوا: صدق يـا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسـول الله صلى الله عليه وسلم فرجما قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة(198).

قبول شفاعتهم في بعض الأحوال

157- عن محمد بن جبير عن أبيه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر: ((لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له))(199).

النتنى: أي أسارى المشركين.

فوائد الحديث: قبول شفاعة المشرك, وأن جزاء الإحسان الإحسان، فإن المطعم بن عدي أجار النبي صلى الله عليه وسلم فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد صنيعه ويكافئه.

حكم السلام على غير المسلم ومصافحته

158- عن أبي عبد الله العسقلاني: أنه أخبره من رأى ابن محيريز صافح نصرانياً في مسجد دمشق(200).

159- عن أبي أمامة الباهلي: أنه كان يسلم على كل من لقيه، قال: فما علمت أحداً سبقه بالسلام إلا يهودياً مرة اختبأ له خلف أسطوانة فخرج فسلم عليه فقال له أبو أمامة: ويحك يا يهودي ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيتك رجلاً تكثر السلام فعلمت أنه فضل فأحببت أن أخذ به. فقال أبو أمامة: ويحك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا))(201).

160- عن عبد الرزاق قال: سمعت الثوري وعمران لا يريان بمصافحة اليهودي والنصراني بأساً. قال عبد الرزاق: ولا بأس به(202).
وبوب البخاري في “الأدب المفرد”: (باب التسليم على مجلس فيه المسلم والمشرك).

161- عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره: أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على إكاف على قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة، حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول, وذلك قبل أن يسلم عدو الله؛ فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان؛ فسلم عليهم(203).
162- عن أبي عثمان النهدي قال: كتب أبو موسى إلى دهقان يسلم عليه في كتابه، فقيل له: أتسلم عليه وهو كافر؟ قال: إنه كتب إليّ فسلَّم علي فرددت عليه(204).

163- عن علقمة قال: إنما سلم عبد الله على الدهاقين إشارة(205).

164- عن ابن عباس قال: ردوا السلام على من كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً ذلك بأن الله يقول: (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)(206).

165- أن عبد الله بن عباس أخبره: أن أبا سفيان بن حرب أرسل إليه هرقل ملك الروم ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي مع دحية الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه ((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} إلى قوله:{اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}(207).

166- عن عقبة بن عامر الجهني: أنه مر برجل هيأته هيأة مسلم فسلم فرد عليه وعليك ورحمة الله وبركاته. فقال له الغلام: إنه نصراني؛ فقام عقبة فتبعه حتى أدركه فقال: إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين لكن أطال الله حياتك وأكثر مالك وولدك(208).

167- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لو قال لي فرعون بارك الله فيك قلت: وفيك وفرعون قد مات(209).

168- عن علقمة قال: أقبلت مع عبد الله من السيلحين فصحبه دهاقين من أهل الحيرة، فلما دخلوا الكوفة أخذوا في طريقهم غير طريقهم؛ فالتفت إليهم فرآهم قد عدلوا فأتبعهم السلام. فقلت: أتسلم على هؤلاء الكفار؟ فقال: نعم صحبوني وللصحبة حق(210).

169- عن أسلم مولى عمر قال: لما قدمنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام أتاه الدهقان قال: يا أمير المؤمنين إني قد صنعت لك طعاماً؛ فأحب أن تأتيني بأشراف من معك فإنه أقوى لي في عملي وأشرف لي. قال: إنا لا نستطيع أن ندخل كنائسكم هـذه مع الصور التي فيها(211).

170- عن ابن عباس رضي الله عنهما: كتب إلى ذمي فبدأ بالسلام. فقلت له: أتبدؤه بالسلام فقال: إن الله هو السلام(212).

171- عن إبراهيم قال: إذا كانت لك إليه حاجة فابدأه بالسلام(213).

172- عن عمرو بن عثمان، سمعت أبا بردة قال: إن رجلاً من المشركين كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلام فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليه السلام(214).

173- وقال مجاهد: إذا كتبت فاكتب السلام على من اتبع الهدى(215).

174- عن ابن عباس قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسياً فإن الله يقول: (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)[النساء:86](216).

175- وعن أبي بصرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنا غادون على يهود فلا تبدؤوهم بالسلام فإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم))(217).

176- وعن أنس قال: نهينا – أو قال: أمرنا – أن لا نزيد أهل الكتاب على وعليكم(218).

177- عن عون بن عبد الله قال: سأل محمد بن كعب عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام؟ فقال: نرد عليهم ولا نبدؤهم. فقلت: وكيف تقول أنت؟ قال: ما أرى بأساً أن نبدأهم. قلت :لم؟ قال: لقول الله: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)(219).

178- عن ابن عجلان: أن عبد الله وأبا الدرداء وفضالة بن عبيد كانوا يبدأون أهل الشرك بالسلام(220).

179- عن معمر قال: قلت للزهري: هل يقال له مرحباً؟ قال: إن كان له عندك يد لم تجزه بها فلا بأس(221).

180- عن قتادة يحدث عن أنس رضي الله عنه: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أهل الكتاب يسلمون علينا فكيف نرد عليهم؟ قال: ((قولوا وعليكم))(222).

قال النووي: واختلف العلماء فى رد السلام على الكفار وابتدائهم به، فمذهبنا تحريم ابتدائهم به ووجوب رده عليهم بأن يقول: وعليكم أو عليكم فقط, ودليلنا فى الابتداء قوله صلى الله عليه وسلم: ((لاتبدأوا اليهود ولاالنصارى بالسلام)). وفى الرد قوله صلى الله عليه وسلم: ((فقولوا وعليكم)), وبهذا الذى ذكرناه عن مذهبنا قال أكثر العلماء وعامة السلف.

وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام؛ روى ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن أبى محيريز، وهو وجه لبعض أصحابنا، حكاه الماوردى لكنه قال: يقول السلام عليك ولايقول عليكم بالجمع, واحتج هؤلاء بعموم الأحاديث وبإفشاء السلام وهى حجة باطلة لأنه عام مخصوص بحديث: ((لاتبدأو اليهود ولا النصارى بالسلام)). 
وقال بعض أصحابنا: يكره ابتداؤهم بالسلام ولايحرم، وهذا ضعيف أيضاً لأن النهى للتحريم؛ فالصواب تحريم ابتدائهم, وحكى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم به للضرورة والحاجة أو سبب، وهو قول علقمة والنخعى. وعن الأوزاعى أنه قال: إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون. وقالت طائفة من العلماء: لايرد عليهم السلام. ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك.
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يقول فى الرد عليهم: وعليكم السلام, ولكن لايقول ورحمة الله، حكاه الماوردى, وهو ضعيف مخالف للأحاديث, والله أعلم(223).

الاستئذان على المشركين

181- عن عبد الرحمن بن يزيد: أنه كان إذا استأذن على المشركين قال: أندر آيم، يقول: أدخل(224).

182- عن سعيد بن جبير قال: لا يدخل عليّ المشركين إلا بإذن(225).

183-عن أبي المنبه قال: سألت الحسن عن الرجل يحتاج إلى الدخول على أهل الذمة من مطر أو برد أيستأذن عليهم؟ قال: نعم(226).

فوائد الآثار: إن من سماحة الإسلام أنه أمرنا أن نتأدب مع غير المسلمين بآداب الإسلام من الاستئذان وما شابه ذلك.

جواز إكرامهم وعلى ذلك بوب ابن حجر في المطالب العالية

184- عن حسان بن أبي يحيى الكندي عن شيخ من كندة قال: كنا جلوساً عند علي رضي الله عنه  فأتاه سيد نجران فأوسع له. فقال رجل: أتوسع لهذا النصراني يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنهم كانوا إذا أتوا رسول الله أوسع لهم(227).

المسلم يكني المشرك

185- عن الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كنى صفوان بن أمية وهو يومئذ مشرك جاءه على فرس. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((انزل أبا وهب))(228).

186- عن الفرافصة الحنفي عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كنى الفرافصة الحنفي وهو نصراني فقال له: ((أبا حسان))(229).

187- عن قتادة أن نصرانياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلمت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم الثالثة: ((أبا الحارث)). فقال: قد أسلمت قبلك! فقال: ((كذبت حال بينك وبين الإسلام ثلاث خلال شربك الخمر وأكلك الخنزير ودعواك لله ولدا))(230).

حل ذبائح أهل الكتاب

من مظاهر التسامح التي اختص بها أهل الكتاب في دين الإسلام إباحة الأكل من ذبائحهم. والأصل في ذلك قوله تعالى:(وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ) [المائدة:5]. ولكن بشرط أن يذكروا اسم الله عليها.

أما الآثار والأحاديث:

188- عن ابن عباس قال: (فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ)، (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ)، فنسخ واستثنى من ذلك فقال: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ)(231).

189- عن معمر قال: سألت الزهري عن ذبائح نصارى العرب؟فقال: من انتحل ديناً فهو من أهله, ولم ير بذبائحهم بأساً(232).

190- عن إبراهيم قال: لا بأس بذبائحهم(233).

191- عن غطيف بن الحارث قال: كتب عامل إلى عمر: أن قبلنا ناس يدعون السامرة يقرأون التوراة, ويسبتون السبت لا يؤمنون بالبعث؛ فما يرى أمير المؤمنين في ذبائحهم؟ فكتب إليه عمر: أنهم طائفة من أهل الكتاب ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب(234).

192- عن قيس بن السكن قال: قال عبد الله: لا تأكلوا من الجبن إلاما صنع المسلمون وأهل الكتاب(235).

193- عن سويد غلام سلمان وأثنى عليه خيراً قال: لما افتتحنا المداين خرج الناس في طلب العدو. قال: قال سلمان: وقد أصبنا سلة. فقال: افتحوها فإن كان طعاماً أكلناه وإن كان مالاً دفعناه إلى هؤلاء. قال:  ففتحنا فإذا أرغفة حوارى وإذا جبنة وسكين. قال: وكان أول ما رأت العرب الحوارى فجعل سلمان يصف لهم كيف يعمل ثم أخذ السكين وجعل يقطع وقال: بسم الله كلوا(236). الحواري: الأبيض الناعم.

194- عن الحسن وابن سيرين قالا: لا بأس بما صنع أهل الكتاب من الجبن(237).

195- عن أبي وائل وإبراهيم قالا: لما قدم المسلمون أصابوا من أطعمة المجوس من جبنهم وخبزهم فأكلوا ولم يسألوا عن ذلك، ووصف الجبن لعمر فقال: اذكروا اسم الله عليه وكلوه(238).

فوائد الآثار: حل طعام أهل الكتاب بشرط أن يذكروا اسم الله تعالى, ويأخذ منه جواز الأكل من طعام غير أهل الكتاب من الطعام الذي لا يحتاج أصله إلى تذكية كما أكل الصحابة جبن المجوس.

معاملتهم في البيع والشراء والتجارة والإجارة وغيرها من المعاملات

من مظاهر التسامح في دين الإسلام إباحة التعامل مع غير المسلمين في العقود المالية والاقتصادية بشرط خلو هذه المعاملات من معاملات محرمة.
196- عن عبد الله رضي الله عنه قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها(239).

197- عبد الله الهوزني قال: لقيت بلالاً مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلب. فقلت: يا بلال! حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما كان له شىء، كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله تعالى إلى أن توفي, وكان إذا أتاه الإنسان مسلماً فرآه عارياً يأمرني فأنطلق فأستقرض؛ فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه حتى اعترضني رجل من المشركين. فقال: يا بلال، إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني ففعلت؛ فلما أن كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة؛ فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار؛ فلما أن رآني قال: يا حبشي، قلت: يا لباه (يريد لبيك) فتجهمني (أي تلقاني بوجه كريه), وقال لي قولاً غليظاً. وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قال: قلت: قريب. قال: إنما بينك وبينه أربع فآخذك بالذي عليك فأردك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك؛ فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، حتى إذا صليت العتمة رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فاستأذنت عليه فأذن لي.  فقلت: يارسول الله بأبي أنت وأمي! إن المشرك الذي كنت أتدين منه قال لي كذا وكذا, وليس عندك ما تقضي عني, ولا عندي، وهو فاضحي. فأذن لي أن آبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي عني؛ فخرجت حتى إذا أتيت منزلي فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني (الترس) عند رأسي، حتى إذا انشق عمود الصبح الأول أردت أن أنطلق؛ فإذا إنسان يسعى يدعو يا بلال، أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقت حتى أتيته؛ فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، فاستأذنت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبشر فقد جاءك الله تعالى بقضائك)). ثم قال: ((ألم تر الركائب المناخات الأربع؟)). فقلت: بلى. فقال: ((إن لك رقابهن وما عليهن؛ فإن عليهن كسوة وطعاماً أهداهن إليّ عظيم فدك فاقبضهن واقض دينك)). ففعلت. فذكر الحديث .. ثم انطلقت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد فسلمت عليه. فقال: ((ما فعل ما قبلك؟)). قلت: قد قضى الله تعالى كل شىء كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق شىء. قال: ((أفضل شىء ؟)). قلت: نعم قال: ((أنظر أن تريحني منه؛ فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه)). فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة دعاني. فقال: ((ما فعل الذي قبلك)). قال: قلت: هو معي لم يأتنا أحد، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وقص الحديث حتى إذا صلى العتمة يعني من الغد دعاني. قال: ((ما فعل الذي قبلك؟)). قال: قلت: قد أراحك الله منه يارسول الله. فكبر وحمد الله شفقاً من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته حتى إذا جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته فهذا الذي سألتني عنه(240).
 
198- عن عبد الله بن سلام: إن الله تبارك وتعالى لما أراد هدى زيد ين سعنة قال زيد بن سعنة: إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً. فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب فأتاه رجل على راحلته كالبدوي. فقال: يا رسول الله قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام كنت أخبرته أنهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغداً, وقد أصابهم شدة وقحط من الغيث, وأنا أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعاً كما دخلوا فيه طمعاً؛ فإن رأيت أن ترسل إليهم من يغيثهم به فعلت. قال  فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل إلى جانبه أراه عمر فقال: ما بقي منه شيء يا رسول الله. قال زيد بن سعنة: فدنوت إليه. فقلت له: يا محمد هل لك أن تبيعني تمراً معلوماً من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: ((لا يا يهودي ولكن أبيعك تمراً معلوماً إلى أجل كذا وكذا, ولا أسمي حائط بني فلان)). قلت: نعم فبايعني صلى الله عليه وسلم؛ فأطلقت همياني فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا. قال: فأعطاها الرجل وقال: ((اعجل عليهم وأغثهم بها)). قال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ونفر من أصحابه؛ فلما صلى على الجنازة دنا من جدار فجلس إليه، فأخذت بمجامع قميصه ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب – بمطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم قال: ونظرت إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره وقال: أي عدو الله أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع وتفعل به ما أرى؟ فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي هذا عنقك ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، ثم قال: ((إنا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر أن تأمرني بحسن الأداء و تأمره بحسن التباعة. اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعاً من غير مكان ما رعته)). قال زيد: فذهب بي عمر فقضاني حقي وزادني عشرين صاعاً من تمر. فقلت: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان ما رعتك. فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا فمن أنت؟. قلت: أنا زيد بن سعنة. قال: الحبر؟. قلت: نعم، الحبر. قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت وتفعل به ما فعلت؟ فقلت: يا عمر كل علامات النبوة قد عرفتها قي وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم اختبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً. فقد أختبرتهما فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وأشهدك أن شطر مالي – فإني أكثرها مالاً – صدقة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال عمر:  أو على بعضهم فإنك لا تسعهم كلهم. قلت: أو على بعضهم، فرجع عمر وزيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فآمن به وصدقه وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاهد كثيرة، ثم توفي في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر. رحم الله زيداً. قال: فسمعت الوليد يقول: حدثني بهذا كله محمد بن حمزة عن أبيه عن جده عن عبد الله بن سلام(241).

فوائد الحديث: فيه دليل على حسن خلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من مكارم الأخلاق, وفيه أيضا ما كان عند أهل الكتاب من علم على سمو أخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته.

وذكر البخاري في (باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام) ما جاء، ثم ذكر:

199- عن عائشة رضي الله عنها: استأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديل ثم من بني عبد بن عدي هادياً خريتاً – الخريت الماهر بالهداية – قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل, وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال؛ فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا, وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم أسفل مكة وهو طريق الساحل(242).

 200- عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه قالا: خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عيناً له من خزاعة(243).

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية(244) رحمه الله: 
وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمهم وكافرهم، وكان يقبل نصحهم وكل هذا في “الصحيحين”، وكان أبو طالب ينصر النبي صلى الله عليه وسلم ويذب عنه مع شركه، وهذا كثير، فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمن كما قال تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا) [آل عمران:75]. ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال, وجاز أن يستطب المسلم الكافر إذا كان ثقة نص على ذلك الأئمة كأحمد وغيره، إذ ذلك من قبول خبرهم فيما يعلمونه من أمر الدنيا وائتمان لهم على ذلك، وهو جائز إذا لم يكن فيه مفسـدة راجحة مثل ولايته على المسلمين وعلوه عليهم ونحو ذلك، فأخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابـه(245).

وقال الخطابي: في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل الخزاعي وبعثه عيناً ثم صدقه في قوله وقبل خبره وهو كافر, وذلك لأن خزاعة كانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنهم وكافرهم(246).



رابط الموضوع : http://www.assakina.com/politics/6675.html#ixzz3yQQs4vgo

قراءة 2381 مرات آخر تعديل على الجمعة, 29 كانون2/يناير 2016 07:28

أضف تعليق


كود امني
تحديث