قال الله تعالى

 {  إِنَّ اللَّــهَ لا يُغَيِّــرُ مَـا بِقَــوْمٍ حَتَّــى يُـغَيِّـــرُوا مَــا بِــأَنْــفُسِــــهِـمْ  }

سورة  الرعد  .  الآيـة   :   11

ahlaa

" ليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، و إنما المهم أن نرد إلي هذه العقيدة فاعليتها و قوتها الإيجابية و تأثيرها الإجتماعي و في كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم علي وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده و نملأ به نفسه، بإعتباره مصدرا للطاقة. "
-  المفكر الجزائري المسلم الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله  -

image-home

لنكتب أحرفا من النور،quot لنستخرج كنوزا من المعرفة و الإبداع و العلم و الأفكار

الأديبــــة عفــــاف عنيبـــة

السيـــرة الذاتيـــةالسيـــرة الذاتيـــة

أخبـــار ونشـــاطـــاتأخبـــار ونشـــاطـــات 

اصــــدارات الكـــــاتبــةاصــــدارات الكـــــاتبــة

تـــواصـــل معنــــــاتـــواصـــل معنــــــا


تابعنا على شبـكات التواصـل الاجتماعيـة

 twitterlinkedinflickrfacebook   googleplus 


إبحـث في الموقـع ...

ألبــــوم الصــــور

مواقــع مفيـــدة

rasoulallahaomabinbadisbassairveccosassalachihabbinnabilejeunemusulmansultan cerhso shamela wefaqdev iktab
الأربعاء, 28 كانون1/ديسمبر 2016 07:04

ثقافة الحج ومنهج الوسطية والاعتدال 1/2

كتبه  الدكتورة أم كلثوم بن يحي
قيم الموضوع
(0 أصوات)
ثقافة الحج ومنهج الوسطية والاعتدال 1/2

مقدمة:
الحمد لله الذي منّ علينا فجعلنا أمة وسطاً، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن نبينا محمداً عبد الله و رسوله، المنزل عليه قول ربه سبحانه﴿ وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَ كَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾، الكهف:28، و صلى اللهم و سلم و بارك عليه و على آله و صحبه الذين سلكوا منهجاً وسطاً، فلا تجاوز و لا شطط، و التابعين و من تبعهم بإحسان و حث في نصرة الدين الخطى، أما بعد:
فإن الإسلام دين وسط بين الغالي فيه و الجافي عنه، و الوسطية و الاعتدال سمتان بارزتان للأمة الإسلامية تميزت بهما عن أهل الإفراط من جنس اليهود ممن قتلوا الأنبياء و حرموا كثيرا من الطيبات التي أحلها الله، و عن أهل التفريط من جنس النصارى ممن ألهوا أنبياءهم و عبدوا رهبانهم، و أحلوا الخبائث افتراء على الله تعالى.
و قد وعى الرعيل الأول من الصحابة الذين تربوا على يد سيد الخلق معنى الوسطية و أهمية الحفاظ عليها باعتبارها خصوصية للأمة الإسلامية بين الأمم السابقة فلا هي مُفَّرِطة في تدينها و لا هي مُفْرِطة في دينها، بل هي وسطية مسئولة شهيدة على باقي الأمم، فتبنوا الوسطية منهجا و سبيلا و علموها للتابعين و تابعيهم، فها هو الحسن البصري يسأله أعرابي فيقول: "يا أبا سعيد، عّلمني دينا وَسُوطًا، لا ذاهِبا فَروطًا، و لا ساقطًا سقوطًا"، أي دينا متوسطًا، لا متقدما بالغلو، و لا متأخرا بالتلو، قال له الحسن: أحسنت يا أعرابي"، خير الأمور أوساطها.([1])
         و إذا كان منهج الوسطية و الاعتدال يتجلى في كل شعائر الإسلام، فإن الحج بوصفه من أعظمها حيث الذكر و التوبة و الطاعة و التقرب إلى المولى و ما تحققه من سلام داخلي للحاج، و حيث يجتمع المسلمون من كل الأقطار تلفهم خرق بيضاء غنيهم و فقيرهم عزيزهم و ذليلهم لا تكاد تفرق بينهم تجمعهم الايجابية و الرحمة و البساطة و ما تحققه من سلام خارجي، ينشد في مناسكه و في ثقافته إشاعة الوسطية و الاعتدال بين جموع المسلمين.... يوحد كلمتهم و يجمع فرقتهم و يذكرهم بمنزلتهم بين الأمم و بواجبهم تجاه أنفسهم، و تجاه دينهم.
لقد صار لزاما على المسلمين في ظل الظروف الراهنة و التحديات المتراكمة أن يروا في شعيرة الحج و ثقافته النيرة فرصتهم السانحة ليبرزوا للعالم أجمع هذه القيم و هذه الإنسانية التي تتجلى في أبهى صورها حيث الناس من كل المعمورة على اختلاف ألوانهم و أجناسهم و لهجاتهم تجمعهم التلبية لنداء الحج بقلوب خاشعة و نفوس راضية، لا فوراق تميزهم لا مصالح تفرقهم فهم سواسية، تتلاشى العادات و الموضات و الطبقات إلا من أتى الله بقلب سليم، و بأنهم أمة واحدة مهما عصفت بهم الفتن و مهما تربص بهم المتربصون ....مصيرهم واحد و دينهم واحد و ربهم واحد فلا مكان بينهم للغلو و التطرف ...و لا مكان بينهم لتعصب و العنصرية التي قال عنها الحبيب المصطفى:(  دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ)([2]).
إن السؤال الذي يطرحه هذا البحث هو : كيف يمكن لشعيرة عظيمة كشعيرة الحج أن تعمل على تفعيل قيم الوسطية بين الحجاج أولا و بين الأمة الإسلامية و العالم أجمع ثانيا، و كيف لها أن تحد من نقائضها من غلو و تطرف و إرهاب فكري و مادي.
و ترتبط الإجابة عن هذا السؤال ارتباطا وثيقا ببيان معنى الوسطية و أثرها على الأمة و العالم أجمع، و بيان الانحراف الفكري و ما جناه على أمتنا و وحدتنا، و قطع الطريق على نشر رسالتنا، من خلال المحاور التالية:
المحور الأول : الإسلام دين وسطية و اعتدال
المحور الثاني : الانحراف الفكري، قراءة في الأسباب و النتائج
المحور الثالث : دور ثقافة الحج في ترسيخ مظاهر الوسطية و الاعتدال



المحور الأول: الإسلام دين وسطية و اعتدال
أولا: الوسطية و الاعتدال
ترد الوسطية في اللغة بعدة معان متقاربة هي : العدل، الخيار، الفضل، النسب، النصف، البينية، التوسط بين الطرفين، و غيرها من المعاني([3])، جاء في معجم مقاييس اللغة:" الواو الطاء و السين  بناء صحيح يدل على العدل، و النصف و أعدل الشيء أوسطه و وسطه"،([4]) و في اللسَّان:" و وسط الشيء و أوسطه أعدله"([5]).
أما في الشرع فقد جاءت الوسطية بمعنى العدالة و الخيرية، و التوسط بين الإفراط و التفريط، كما في قوله تعالى: ﴿ وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا  ﴾، البقرة: 143، و بذلك فإنها لا تخرج عن مقتضى اللغة، و قد عرفها الدكتور وهبة الزحيلي، فقال : ( و الوسطية في العرف الشائع في زمننا تعني الاعتدال في الاعتقاد و الموقف و السلوك و النظام و المعاملة و الأخلاق، و هذا يعني أن الإسلام دين معتدل غير جانح و لا مفرط في شيء من الحقائق، فليس فيه مغالاة في الدين، و لا تطرف و لا شذوذ في الاعتقاد، و لا استكبار و لا خنوع و لا ذل و لا استسلام و لا خضوع و عبودية لغير الله تعالى، و لا تشدد أو إحراج، و لا تهاون و لا تقصير، و لا تساهل أو تفريط في حق من حقوق الله تعالى و لا حقوق الناس، و هو معنى الصلاح و الاستقامة "([6])، و هي : " مؤهل الأمة الإسلامية من العدالة و الخيرية للقيام بالشهادة على العالمين، و إقامة الحجة عليهم"([7]).
و بين حدودها الدكتور سلمان العودة حفظه الله فقال:" إنَّ الوسطية تعني -لزوماً- الاعتراف و الإيمان بعدم لزوم التمامية بل عدم إمكانيتها"، و جعلها مبنية على أصلين هامين هما السداد و المقاربة، مدعمين بقاعدة البشارة([8]) مخرجا الوسطية بذلك من دائرة الفهم الضيق للأشخاص و الجماعات و الأحزاب التي ترى منهجها منهجا وسط دون البقية لتدخل في الحلقة المفرغة للتطرف الفكري فتسيء من حيث ترتجي الإصلاح و تضر من حيث تبغي النفع.
فالسداد و المقاربة و البشارة أسس أقرهما الحبيب المصطفى في قوله صلى الله عليه و سلم : (  إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَ لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَ قَارِبُوا وَ أَبْشِرُوا وَ اسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَ الرَّوْحَةِ وَ شَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ)([9]).
أما الاعتدال لغة فقد جاء في القاموس المحيط : " من معاني العدل و الاعتدال : الحكم بالعدل و الاستقامة و التقويم و التسوية و المماثلة و الموازنة و التزكية و المساواة و الإنصاف و التوسط([10]).
و اصطلاحا هو : " التزام المنهج العدل الأقوم، و الحق الذي هو وسط بين الغلو و التنطع، و بين التفريط و التقصير، فالاعتدال و الاستقامة وسط بين طرفين هما الإفراط و التفريط"([11]).
و الوسطية بالمعنى السابق ترادف الاعتدال حيث ورد في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخذري مرفوعا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ شُهُودُكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَ أُمَّتُهُ فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ:﴿ وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، قَالَ عَدْلًا؛﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، البقرة: 143) ([12]) .
و هي منهج تقرأ النصوص الدينية من خلاله لكيلا يصطدم الواجب بالواقع، و لا العقل بالنقل، و لا يتم إظهار نص و إخفاء آخر، أو انتصار طرف على مقابله، ([13])  هي سلوك و التزام و ليست مجرد شعار و ادعاء، بل هي سمة الإسلام في عقائده و شرائعه ....و سمة المسلم في حله و ترحاله، في سلمه و في حربه، في عباداته و في عاداته، و هي تعبير عن الاعتدال و التّوازن الذي يطبع حركة الكون، قال تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، و يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى : ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَ لا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَ لاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَ لاَ نَصِيرًا﴾، النساء: 123"  أن الدين ليس بالتحلي و لا بالتمني، و ليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه" ،  ([14]) و يقول ابن عبد البر قال سفيان بن حسين لعمر بن علي بن مقدم: " أتدري ما السمت الصالح ليس هو بحلق الشارب و لا تشمير الثوب و إنما هو لزوم طريق القوم إذا فعل ذلك قيل قد أصاب السمت و تدري ما الاقتصاد هو المشي الذي ليس فيه غلو و لا تقصير ".([15])
كما أن الاعتدال في الأمور كلها مطلب شرعي يتحقق من خلاله التمكين لدين الله في أرضه، و الانتفاع بما هو مفيد من العلوم و النقول ما وُجِد و ما استجد منها، و قد قيل قديما:" من فقد الاعتدال فقد الانتفاع بالعلوم جميعها".([16])
لذلك كله وجب على علماء الأمة و مفكريها أن يبقوا في يقظة حية دائمة لكيلا يتحول مصطلح الوسطية إلى سلاح بيد جهالها أو أعدائها يفتك بالغلو و ينسى المجون، أو أن يتم تفريغه عن معناه فلا نجني منه إلا البعد عن الأسس الراسخة، و تمزيق عرى الهوية الإسلامية الحقة([17]).
ثانيا: مظاهر الوسطية و الاعتدال في الإسلام
الإسلام الوسطي هو إسلام شمولي متوازن، واضح العقائد، يحقق المقاصد الشرعية، و يستوعب المخالفين، يتحرى الوسطية في المعتقدات، و العبادات، في الأخلاق و في التشريعات، و يتبناها منهجا في الحكم على الأشخاص و الدول و العلماء و ما استحدث من علوم و أراء، و هو وسط في الملموس و المحسوس فلا استغراق في الماديّات، و لا اقتصار على الروحانيّات:
1-             وسطية الإسلام في الاعتقاد:
حبا الله تعالى أمة محمد بأن جعلها أمة وسط بين الأمم و جعل ملتها وسطا بين الملل،  فلا هم قتلوا الأنبياء كما فعل قوم موسى عليه السلام، و لا هم ألهوا أنبياءهم و عبدوا رهبانهم كما فعل قوم عيسى عليه السلام، يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَ لاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَ مَا فِي الأَرْضِ وَ كَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً﴾ ، النساء، 171 :" نهى الله تعالى عن الغلو، غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، و غلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا؛ فالإفراط و التقصير كله سيئة،([18]) و حياة المسلمين وسط فلا رهبنة و لا تشديد مفرط، و لا استغراق في الملذات و لا تيسير غير منضبط.
و يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: " و " أصل الدين " أن الحلال ما أحله الله و رسوله، و الحرام ما حرمه الله و رسوله و الدين ما شرعه الله و رسوله، ليس لأحد أن يخرج عن الصراط المستقيم الذي بعث الله به رسوله...و عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه خط خطا و خط خطوطا عن يمينه و شماله ثم قال: (هذه سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو، ثم قرأ ﴿وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَ لاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾)، و قد ذكر الله تعالى في سورة الأنعام و الأعراف و غيرهما ما ذم به المشركين حيث حرموا ما لم يحرمه الله تعالى كالبحيرة و السائبة و استحلوا ما حرمه الله كقتل أولادهم و شرعوا دينا لم يأذن به الله فقال تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾، الشورى: 21، و منه أشياء هي محرمة جعلوها عبادات كالشرك و الفواحش مثل الطواف بالبيت عراة و غير ذلك .([19])
كما أن المسلمين وسط في الأسماء و الصفات، فما كانوا كاليهود الذين وصفوا الخالق بصفات المخلوق، فقالوا : يد الله مغلولة، قال تعالى: ﴿وَ قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾،  المائدة: 64، و قالوا: الله فقير و نحن الأغنياء، قال تعالى: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَ قَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَ نَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾،آل عمران: 181،  و غير ذلك من الافتراءات على الله، و لا كانوا كالنصارى الذين وصفوا المخلوق بصفات الخالق، فنسبوا لعيسى عليه السلام الحياة و الموت، الرزق و الفقر، المغفرة و الرحمة، و هي صفات خص بها الله عز و جل نفسه بها.
و أهل السنة و الجماعة وسط بين الفرق من معطلة و مشبهة و مرجئة و معتزلة، فلا يعطلون و لا يجسمون و لا يشبهون و لا يرجئون، و هم وسط في حب الصحابة رضوان الله عليهم، فلا يغالون و لا يجافون و يكفرون.
2-             وسطية الإسلام في العبادات:
من مظاهر الوسطية في العبادات تعدد الطاعات و كثرة القربات فلا يلزم المسلمون بنمط معين منها إلا فيما تعلق بصلاة الفرض، و صيام الفرض، و الزكاة الواجبة و حج الفرض، أما غير ذلك فهناك الصائم و هناك القائم و تعدد أوجه البر فهناك المحسن و هناك المتصدق و هناك العالم و هناك المجاهد و هناك.....، و كلها إسلام و عبادة و الجنة لها ثمانية أبواب كل باب لضرب من ضروب الخير و البر.
و المسلمون وسط في العبادة، فلا هم كاليهود الذين أسرفوا في التحريم، و لا  هم كالنصارى الذين أسرفوا في الإباحة،  و لا هم منقطعون للعبادة، و لا منقطعون عنها و هو ما يؤكده قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [62:9]فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، الجمعة:9-10،  يقول القرطبي في تفسيره للآيتين:" هذا أمر إباحة؛ كقوله تعالى :و إذا حللتم فاصطادوا، يقول: إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة و التصرف في حوائجكم،" و ابتغوا من فضل الله " أي من رزقه، و كان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك، و صليت فريضتك، و انتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك و أنت خير الرازقين"([20]) .
ثالثا: أثر الوسطية على الأمة الإسلامية و العالم
أ- أثر الوسطية على الأمة الإسلامية:
لا تتحقق الوسطية و الاعتدال البعيدين عن التطرف و الإرهاب من جهة، و العلمانية و الإلحاد من جهة أخرى إلا بتحقيق أمن فكري يمكنه أن يقف سدا منيعا في وجه الانحراف في التصور العقدي، و الآفات التي تطوق العقل و تجعله عرضة للانزلاق في براثن الوهم و الخطأ، فمتى غاب الفكر الوسطي، طغى أحد الفكرين إما الفكر التكفيري المنظر للإرهاب، و المستند على التأويل الباطل للنصوص، و القصور في الفهم الصحيح لمبادئ الشريعة الإسلامية الغراء، و محاولة تقنينه بزعم أن مرجعيته إسلامية، و إما الفكر الإلحادي الذي يلغي الدين، و لا يؤمن إلا بالمادي و الملموس من الأمور، و ما ذاك إلا نتيجة لضحالة المعرفة، و تكبيل العقل بأفكار لا تتعدى المرئي و المحسوس.([21])
إن هذا العبث الفكري بنقيضيه أنتج حالة هي مزيج من الغضب و الشك و الهروب، و قد زاد الأمر تعقيدا افتقاد الكثير من أصحاب العمل الإسلامي اليوم للفهم الشرعي الصحيح للوسطية جعل كثيراً من صور العمل الإسلامي تتجه إلى الرؤى المتقابلة فصار قانون التضاد يمثل واقعاً في الأعمال الإسلامية بقدرٍ كان ينبغي ألاّ يوجد، مع أنه بحمد الله لا زال في أهل الإسلام و دعاته خير كثير و اعتدال محمود([22]).
إن الوسطية ليست منتصف الطريق بل هي الطريق ذاته، و هي ليست حقا مطلقا تملكه جهة أو جماعة أو حزب و إلا انقلبت تطرفا بغيضا يزيد الأمة غمة و فرقة، إنما هي حبل النجاة للأمة ترفع رايتها عالية بين الأمم، تمنعها من أن تضرب حول نفسها طوقا من العزلة، و تحمي خصوصيتها و تميزها عن باقي الأمم، و هي حصن منيع  في وجه الانزلاق بها في براثن الانحراف الفكري و تنامي الفكر المتطرف، و قبول فتاويه التكفيرية و الهدامة، ذلك أن الجهل بالدين، و ليس الدين، هو أس الإرهاب و منبعه.
إن ثنائية الجهل بالدين و التطرف أخطر على الأمة بكثير من أعدائها التقليديين فخوارج عصر الرسالة قتلوا خيرة الصحابة، و قتلوا خليفتهم و إمامهم العادل علي بن أبي طالب رَضِيَ اللهُ عنْهُ، لقد قتله من ظُنَّ فيه الصلاح و التقى، و الفقه عبد الرحمن بن ملجم  الذي قرأ القرآن على معاذ بن جبل - رضي الله عنه - و كان من العباد المعدودين قبل خروجه، حتى يقال إن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عماله أن يوسع دار عبد الرحمن بن ملجم ليعلم الناس الفقه و القرآن، ثم كان من شيعة أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - و شهد معه صفين([23])، و في النقيض المحمود يذكر عن خالد بن الوليد أنه أم الناس بالحيرة ثم قرأ من سور شتى ثم التفت إلى الصحابة حين انصرف فقال:" شغلنا الجهاد عن تعليم القرآن"([24]).
 و خوارج العصر روعوا الآمنين و قتلوا المعصومين، و فتكوا بالوحدة و جمدوا حضارة بنيت بسواعد المخلصين على مر القرون و قد ربط الحبيب المصطفى عليه الصلاة و السلام الغلو بالهلاك فقال : ( وَ إِيَّاكُمْ وَ الْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ قِبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّين)([25]).
إن الغلو و التطرف يورث حالة من عدم الاستمرارية، و ينفر النفوس من الأمور المتطرفة و إن أقبلت عليها في البداية متلهفة، يقول الإمام الغزالي معلقاً  على قوله صلى الله عليه و سلم : (إنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِين، فَأَوْغِلُوافِيهِ بِرِفْقٍ)([26]) : " أراد بذلك أن لا يكلف نفسه في أعماله الدينية ما يخالف العادة، بل يكون بتلطف و تدريج، فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطريق الأقصى في التبدل، فإن الطبع نفور، و لا يمكن نقله عن أخلاقه الرديئة إلا شيئا فشيئا حتى تنفصم الأخلاق المذمومة الراسخة فيه، و من لم يراع التدريج و توغل دفعة واحدة، ترقى إلى حالة تشق عليه فتنعكس أموره فيصير ما كان محبوبا عنده ممقوتا، و ما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا ينفر عنه".([27])
لذلك كله تبقى الوسطية سياجا مهما للرد على من يزعم أن الإسلام ينتمي إلى الماضي، و يدعو إلى القتل و يصادر الآخر و يتعارض مع العقل، ([28]) و حصنا يمنع المسلم من الردة عن دينه اسما و رسما بسبب التعنت و التطرف و تحميل النفس ما لا تطيق.
ب- أثر الوسطية على العالم: 
إن الوسطية في السلوك الإنساني مطلب عالمي، و أمنية بشرية، و وسيلة مهمة لكل المجتمعات لكي تعيش في أمان و استقرار و سعادة، و المرجع الوحيد بعد الإفراط و التفريط،([29]) و لقد شهد الغرب قبل العرب على وسطية الإسلام و سمو رسالته يقول هاملتون جب: أؤمن بأن الإسلام لا تزال له رسالة يؤديها إلى الإنسانية جمعاء حيث يقف وسطا بين الشرق و الغرب، و إنه أثبت أكثر مما أثبت أي نظام سواه مقدرة على التوفيق و التأليف بين الأجناس المختلفة، فإذا لم يكن بدّ من وسيط يسوي ما بين الشرق و الغرب من نزاع و خصام فهذا الوسيط هو الإسلام([30]).
 إن بيان أهمية الوسطية في حياة الأمة و العالم يتجلى واضحا عند التطرق لمخاطر الانحراف الفكري الذي يجعل الأمة تعاني الأمرين، عقوق أبنائها، و تكالب أعدائها، و يمكن هنا الحديث عن أهمية الوسطية على مستويين:
1-             على مستوى الرأي العام العالمي:
إن ظهور الفكر المتطرف في مناطق و إن كانت محدودة في العالم الإسلامي مقارنة بالفكر الوسطي في ظل القرية الكونية و سهولة وصول المعلومة في ظل العولمة الإعلامية، و الحملات الشرسة على الإسلام، أصبح مطية لأعداء الدين حيث يزعم مناهضوه أنه لا يوجد على ظهر الأرض من يحول دون إحلال السلام، و إشاعة الوئام و الانسجام بين أبناء الأرض مثل المسلمين الذين يستعملون العنف و الإرهاب ضد خصومهم و مخالفيهم، و من ثمة ينبغي على شعوب الأرض أن تتخذ الأساليب و السبل لصدهم و منعهم مسخرين لذلك الترسانة الإعلامية الضخمة لاستعطاف الرأي العالمي الغربي، و كسب تأييده بعد إرهابه و تخويفه.
2-             على مستوى الدول: 
الإرهاب ظاهرة عالمية مركبة و معقدة متعددة الأسباب، و أكثر من عانى من ويلاته هي الدول الإسلامية التي غرر بشبابها المتحمس من جهة، ثم أرهبت من القوى الخارجية بدعوى الضربات الوقائية و مكافحة الإرهاب من جهة أخرى،  حيث تم تشويه صورة الإسلام لدى العامة من الغرب، لإعطاء الذريعة لأعدائه لضرب البنى التحتية للأمة بدعوى الضربات الاستباقية أو الوقائية، و وضع اليد على ثرواتها بدعوى إعادة الاعمار، و استعباد أبنائها بدعوى التحرير، و تقويض الشرع بدعوى أن الدين أفيون الشعوب.
المحور الثاني: الانحراف الفكري، قراءة في الأسباب و النتائج
في ظل عولمة غربية و حالة جمود إسلامية يجد المسلم نفسه بحاجة إلى ضوء في آخر النفق يجدد له إيمانه برسالته و مهمته في الحياة، و يحصنه من الوقوع في مستنقع العنف و الغلو و التطرف و الإرهاب، و غير ذلك من ما يندرج تحت مسمى الانحراف الفكري([31])و الذي تتعد مظاهره، و تتنوع أسبابه.
أولا: مظاهر الانحراف الفكري
1-             الغلو: 
الغلو في اللغة : مجازوة الحد، يقال غلا السعر يغلو غلاء، و ذلك ارتفاعه، و غلا الرجل في الأمر غلوا، إذا جاوز حده، و غلا بسهمه غلوا إذا رمى به سهما أقصى غايته([32]).
يقول الطبري في شرح قوله تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾، النساء:171:" لا تجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه، و أصل الغلو في كل شيء مجاوزة حده الذي هو حده، يقال منه في الدين قد غلا فهو يغلو غلوا"([33]).
         أما في الاصطلاح فيعرفه شيخ الإسلام بن تيمية بأنه:" مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في حمده، أو ذمه على ما يستحقه و نحو ذلك"، ([34])و يشرح ابن قيم الجوزية المقصود من الغلو شرحا وافيا في قوله رحمه الله : "فما أمر الله بأمر إلا و للشيطان فيه نزعتان : إما إلى تفريط و إضاعة، و إما إلى إفراط و غلو، و دين الله وسط بين الجافي عنه و الغالي فيه كالوادي بين جبلين و الهدى بين ضلالتين و الوسط بين طرفين ذميمين فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له؛ هذا بتقصيره عن الحد و هذا بتجاوزه الحد"([35])، قال صلى الله عليه و سلم: ( مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأَمْرٍ إِلا وَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَزْعَتَانِ : فَإِمَّا إِلَى غُلُوٍّ، وَ إِمَّا إِلَى تَقْصِيرٍ فَبِأَيِّهِمَا ظَفَرَ قَنَعَ ).([36])
و قال النووي في شرحه لحديث الرسول صلى الله عليه و سلم:" (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا)([37] أي المتعمقون، المغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم و أفعالهم"،([38]) و قال صلى الله عليه و سلم وقال صلى الله عليه و سلم : (وَ إِيَّاكُمْ وَ الْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ قِبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّين)([39])، و جاء عن علي بن أبي طالب الخليفة الراشد رضي الله عنه و أرضاه، أنه قال : " خَيْرُ النَّاسِ النَّمَطُ الأَوْسَطُ الَّذِينَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْغَالِي وَ يَلْحَقُ بِهِ الْجَافِي"([40]).
2-             التطرف:
التطرف في اللغة هو : مجاوزة حد الاعتدال و التوسط،([41]) أما في الاصطلاح فهو : الغلو و التنطع في قضايا الشرع، و الانحراف المتشدد في فهم قضايا الواقع و الحياة "،([42])و يعرفه القرضاوي بأنه : " الوقوف في الطرف بعيداً عن الوسط، و أصله في الحسيات كالتطرف في الوقوف أو الجلوس أو المشي، ثم ينتقل إلى المعنويات كالتطرف في الدين أو الفكر، أو السلوك، و من لوازم التطرف أنه أقرب إلى المهلكة و الخطر و أبعد عن الحماية و الأمان".([43])
         و التطرف أعم و اشمل من الغلو لأنه يكون شاملاً للغلو و التقصير فكل غال متطرف، و ليس كل متطرف غالياً،([44]) و كثيرا ما ينسب هذا المصطلح للإسلام و المسلمين، بناءا على أفعال و أقوال صدرت من بعض أبنائه الذين أقل ما يقال عنهم أنهم جاهلون لأحكام الإسلام مغرر بهم، في حين أن المتأمل لنصوص الشرع يجد الإسلام كدين بعيد كل البعد عن التطرف و الانحراف، قريب كل القرب من الوسطية و الاعتدال، قال تعالى : ﴿ وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾، (البقرة:143).
3-              الإرهاب:
         مصطلح الإرهاب في الاصطلاح المعاصر يختلف عن ما عرفه العرب قديما، و هو يقابل ما يعرف في اللغة الإنجليزية" terrorism"، كما يشير الكثير من الباحثين أن مصطلح الإرهاب ظهر في الساحة السياسية العالمية بعد الثورة الفرنسية حيث ارتكبت الممارسات القمعية و التصفية في حق أعداء الثورة لقطع الطريق أمام من يريد القضاء عليها([45])، و قد حاول العديد من الباحثين و المنظمات الدولية و العربية و الإسلامية وضع تعريف محدد للإرهاب.([46])
ثانيا: أسباب الانحراف الفكري
 لعل أهم أسباب الانحراف الفكري المتمثل في الغلو التطرف و الإرهاب ما يلي :
1- حالة الإحباط السياسي التي تسود العالم الإسلامي:
         لقد أصبح الإحباط السياسي ظاهرةً واضحة المعالم ترصدها العين المجردة في التجمعات الشعبية و في المنتديات و مواقع التواصل الاجتماعي، و يتنوع هذا الإحباط بين داخلي و خارجي :        
فالإحباط الداخلي نشأ من الظروف السياسية التي تعيشها بعض الدول الإسلامية حيث الفقر و البطالة و الفوارق الاجتماعية، ثم ترجم هذا الإحباط إلى غضب تحول إلى تصرفات عدوانية تنامت للتتحول إلى إرهاب منظم ضد أجهزة الدولة.([47])
 و أما الخارجي فإن أبرز مسبباته حالة الاستعمار التي عانت منها الشعوب الإسلامية لعقود، و ما زالت تعاني من تبعاتها الاقتصادية و الثقافية و السياسية، فالاستعمار هو أس الإرهاب و منبعه و الذي لم يكتفي باحتلال الأرض بل انتهك العرض و استعبد الشعب و أرهبه، فملأه حقدا و رغبة في الانتقام، أضف إلى ذلك مجازر الاحتلال الإسرائيلي في حق الفلسطينيين و اللبنانيين، كل ذلك يولد لدى شباب الأمة حالة من الغضب هستيرية قد تجعله يجانب الصواب في ردود أفعاله، و قد جاء في تقرير الأمم المتحدة لسنة 1973م حول الإرهاب الدولي : " يعود نشوء الإرهاب السياسي إلى أعمال القمع التي تمارسها الأنظمة الاستعمارية و العنصرية و الأجنبية ضد الشعوب التي تناضل من أجل تحريرها و حقوقها المشروعة في تقرير مصيرها و استقلالها و في حرياتها الأساسية الأخرى"([48]).
2- الحالة التربوية:
         من المؤسف أن تهتم الدول الإسلامية بالمناهج التربوية فيما يتعلق بالعلوم التجريبية على حساب العلوم الشرعية، و كنتيجة لذلك  قلَّ الإقبال على هذا التخصص المبني على الحب للشريعة و الرغبة في نشرها و الذود عنها، و إن كانت نتائج هذا الخلل لم تظهر في حينها فقد ظهرت الآن عندما أنشأت المنظومة التربوية عن غفلة منها جيلا يعاني من الأمية الدينية، فلا الاهتمام بالعلوم التجريبية طور هذه الدول، و لا إهمال العلوم الشرعية أمنَّها من مخاطر التطرف و الإرهاب، فمع قلة الاهتمام بالعلم الشرعي و غياب الضوابط الشرعية، يسهل على المتطرفين استدراج شبابنا المتحمس لنصرة دينهم.
3- الجهل بفقه الخلاف و حب الجدل:
         كثيرا ما يحل العنف في المسائل الاجتهادية محل الحوار، بل و يتطور الأمر إلى حد التبديع و التفسيق ثم التكفير و استباحة الدماء المعصومة، و قد قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى : " و لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله"([49])، فلا يجوز لأحد أن يكفر مسلما موحدا بذنب يرتكبه ما لم يستحل ذلك، فما بالك بالأمور الخلافية.
         و انظر إلى الرجل الذي سأل سيدنا علي فلما أجابه،  فقال الرجل : " ليس كذا يا أمير المؤمنين و لكن كذا و كذا"، فقال : " أصاب و أخطأت و فوق كل ذي علم عليم"، قال الغزالي معلقا :" و هكذا يكون إنصاف طالب الحق !! و لو ذكر مثل هذا الآن لأقل فقيه لأنكره و استبعده".([50])
         كما نهى النبي الكريم عن الجدل ؛ و ذلك لمعرفته بما يجنيه هذا الأخير على أمته، قال صلى الله عليه و سلم : (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى إِلا أُوتُوا الْجَدَلَ)([51])، إذ هو من أخطر الأمراض التي تفتك بالشباب المبتلى بالفراغ الديني، فينشغل بالقضايا الجزيئية أو الأحداث التاريخية المنتهية و لا يسأم من المجادلة فيها، و ينصرف عن القضايا المصيرية للأمة، في الوقت الذي طالت فيه العولمة كل مقومات الأمة من ثقافة و دين و هوية، و أصبح للعلمانيين منبرهم و لليمينين منبرهم، و حيث الحملات التنصيرية مستعرة في دول افريقية الفقيرة و المسلمة.
3- الفكر الجهادي المغلوط لدى بعض الجماعات الدينية:
         من المآخذ التي تؤخذ على الكثير الجماعات البعد عن الفهم الصحيح للشريعة الإسلامية، فكثير من الأحزاب و الجماعات تأسست بناء على قراءات خاصة و مفاهيم مغلوطة عن الجهاد و الإمارة و التعامل مع الحاكم حالة الفتنة، و التي تعتمد في دعوتها على الشحن العاطفي المبني على المغالطة الفكرية و الدينية، و كل  ذلك ناتج عن إهمال الجانب التربوي و الديني لدى أفراد المجتمع في فترة الدراسة ما جعلهم عرضة للانحراف و صيدا سهلا للشعارات البراقة عن إقامة الدولة الإسلامية المنشودة التي ظاهرها الصلاح و باطنها الخراب و الدمار؛ و ما يطفح به العالم الالكتروني من عناوين بجواز قتل النساء و الأطفال و السفراء .....و غيرهم، خير دليل على الفكر المأزوم الذي ابتليت به الأمة.
4- ضعف دور العلماء في التوعية الدينية لشباب الأمة:
         يتحمل علماء الأمة و مفكروها في جميع المجالات وزرا لا يستهان به فيما يتعلق بانحراف الشباب فكريا، و ذلك أن العلماء عزلوا أنفسهم بقصد و بدونه عن شريحة واسعة من شبابنا الذين التبس عليهم الحق بالباطل، فراحوا يبحثون بأنفسهم عن مخارج شرعية لحالة الإحباط السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي التي تعيشه الأمة دون الرجوع إلى العلماء و لا يخفى خطر ذلك على أحد، قال ابن مسعود: "لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم و عن أمنائهم و علمائهم فإذا أخذوه عن صغارهم و شرارهم هلكوا، قال ابن قتيبة في تفسير ذلك: "لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ و لم يكن علماؤهم الأحداث لأن الشيخ قد زالت عنه حِدة الشباب و متعته و عجلته و استصحب التجربة في أموره فلا تدخل عليه في علمه الشبه و لا يستميله الهوى و لا يستزله الشيطان، و الحَدث قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت على الشيخ".([52])
المحور الثالث: دور ثقافة الحج في ترسيخ مظاهر الوسطية و الاعتدال
الحج بوصفه أعظم الشعائر الدينية، يجمع في مؤتمره السنوي ملايين الحجاج من كل البقاع محرمين ملبين لله تعالى راغبين، تتعدد انتماءاتهم السياسية، و تختلف مشاربهم الفكرية لكن توحدهم التلبية لله عز و جل في صورة فسيفسائية جميلة، و تزيد في رسوخ العقيدة الوسطية في قلوبهم و عقولهم ثقافته الراقية التي تتبنى اليسر و البر و التقوى منهجا و شعارا.
أولا: معاني الوسطية في شعائر الحج
شهر الحج و ما يصاحبه من عبادات و قربات أشبه بأن يكون مركز تدريب مكثف للمسلمين روحيا و ماديا ليحققوا النهضة الحضارية و الخيرية الكونية التي شرفهم الإسلام بها، حيث يسطر أعظم ما في الخصال التالية :
1-             الحج و عالمية الإسلام
إن أول ما افتتح الله عز و جل به كتابه العزيز قوله تعالى : ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، الفاتحة: 02، حيث عرف عن نفسه لعباده بأنه رب العالمين عربا و عجما بدوا و حضرا مسلمين و كفارا، و كذا كان رسوله الكريم في دعوته للإسلام قال تعالى عن نبيه محمد : ﴿ وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾، الأنبياء:107، و قال تعالى: ﴿ وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَ نَذِيرًا وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾، سبأ:28.
إن ما سبق ذكره يؤسس لعالمية الرسالة المحمدية  باعتبارها آخر الرسالات و إذا كان الأنبياء عليهم السلام أرسلوا إلى أقوامهم، فإن الحبيب المصطفى كان المرسل بالدين الإسلامي إلى البشرية جمعاء بجميع ألوانها و أجناسها بجميع عصورها و أزمنتها، قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾، الفرقان:011، و قال صلى الله عليه و سلم: ( فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَ أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَ مَسْجِدًا وَ أُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَ خُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ).([53])
إن الإسلام حق مشاع و ثروة مشتركة لجميع الأمم و الشعوب، و العناصر و الأجناس،([54]) و هو الدين الذي ارتضاه الله و رسوله للبشرية و قد أعلنها صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع، و ختم بها حديثه مع المسلمين و غيرهم فقال : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾، المائدة:3، يقول صاحب التحرير معلقا على الآية : لا شك أن أمر الإسلام بدأ ضعيفا، ثم أخذ يظهر ظهور سنا الفجر، ....ثم لما فتح الله مكة و جاءت الوفود مسلمين، و غلب الإسلام على بلاد العرب، تمكن الدين و خدمته القوة، فأصبح مرهوبا بأسه، و منع المشركين من الحج بعد عام، فحج رسول الله - صلى الله عليه و سلم - عام عشرة و ليس معه غير المسلمين، فكان ذلك أجلى مظاهر كمال الدين : بمعنى سلطان الدين و تمكينه و حفظه، و ذلك تبين واضحا يوم الحج الذي نزلت فيه هذه الآية .([55]
إن تعدد الأجناس و الألوان في هذا المؤتمر السنوي الذي ينفرد دون غيره من المؤتمرات باشتراط الإسلام و القدرة و الاستطاعة فقط لحضوره، دون الشهادات و العلاقات، لدلالة على عالمية الإسلام و تفرده الجميل بين باقي الديانات و باقي المعتقدات.
2-              الوحدة و التآخي :
إن هذا المنسك السنوي المقدس يقرب بين أبناء الأمة بعضهم بعضاً، و يحقق التعارف بينهم كأفراد و جماعات، و تتجلى مظاهر الوحدة بين أبناء الأمة الإسلامية في كل تفاصيله، حيث تتوحد جسور التواصل بين هذه المجتمعات الإنسانية بعيداً عن توجهات حكوماتها و سياساتها التي قد تتعارض فيما بينها، و تبدي قدرة بارزة على الاتحاد و التوافق رغم المحن و العقبات، في صفوف متراصة مؤمنة و ملتزمة، يجمعهم الحب لله و رسوله، قال ابن القيم رحمه الله : "و أما الحج فشأن آخر لا يدركه إلا الحنفاء الذين ضربوا في المحبة بسهم، و شأنه أجلُّ من أن تحيط به العبارة، و هو خاصة هذا الدين الحنيف حتى قيل في قوله تعالى ﴿ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ﴾، الحج: 31،  أي حجَّاجاً، و جعل الله بيته الحرام قياماً للناس، فهو عمود العالم الذي عليه بناؤه، فلو ترك الناس كلهم الحج سنة لخرَّت السماء على الأرض، هكذا قال ترجمان القرآن ابن عباس "([56]).
يقول اتيين دينيه: "إن الإسلام بلغ من تماسك بناءه، و من حرارة إيمان أهله، ما جعله يبهر العالم بوثبته الهائلة التي لا نظن أن لها في سجلات التاريخ مثيلا، ففي أقل من مئة عام و رغم قلة عددهم، استطاع العرب الأمجاد و قد اندفعوا لأول مرة في تاريخهم، خارج حدود جزيرتهم ......أن يستولوا على أغلب بقاع العالم القديم : من الهند إلى الأندلس".([57])
إن قائد أي جيش في العالم مهما بلغ من القوة و العظمة لا يستطيع ضبط الجيش المحترف إذا بلغ من العدد مبلغا لكن إمام الحرم يستطيع ضبط ما يزيد عن مليوني حاج على اختلاف أعمارهم و مكتسباتهم العلمية و مداركهم الفقهية، فيكفي أن يقول : استووا يرحمكم الله ليستوي الحجاج في مشهد مهيب يتلوه ركوع موحد و سجود موحد و تسليم موحد...إنها الوحدة في أبهى و أرقى صورها.
3 - المساواة:
لقد انتصر الإسلام في شبه الجزيرة العربية بتضحيات جسام قدمها المسلمون الأوائل على اختلاف أعراقهم و ألوانهم جمعهم الدين الجديد أمثال خالد بن الوليد العربي، و بلال الحبشي، و سلمان الفارسي، ثم امتدت إمبراطوريته العظمى شرقا و غربا شمالا و جنوبا على يد عظماء أمثال طارق بن زياد البربري، و حفظت علوم الدين قديما على يد مسلم و البخاري و مالك و الشافعي، و أحمد، و أبو حنيفة، و الطبري و تطورت على يد ابن خلدون، و الخوارزمي، و البيروني، و الحسن بن الهيثم، و عمر الخيام، و ابن سينا، و الرازي، و الألباني، و غيرهم من عظماء السند و الهند و شمال افريقية و السودان و الشام و الحجاز.
 لقد جسد المسلمون الأوائل معاني خطبة الوداع للحبيب المصطفى أمام ما يزيد على مائة ألفٍ من المسلمين و اعتمدوا دستورهم الجديد و القانون الذي لم يألفه العرب من قبل  حيث أعلنها صلى الله عليه و سلم بأبي هو و أمي واضحة:  ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَ إِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَ لَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَ لَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَ لَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ قَالُوا بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا يَوْمٌ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قَالُوا شَهْرٌ حَرَامٌ قَالَ ثُمَّ قَالَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَ أَمْوَالَكُمْ قَالَ وَ لَا أَدْرِي قَالَ أَوْ أَعْرَاضَكُمْ أَمْ لَا كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَلَّغْتُ قَالُوا بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ...) ([58]).    
4-              التقوى: 
التقوى في الحج تكون بتعظيم شعائره، قال الله تعالى : ﴿ذَلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، الحج: 32، ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، البقرة: 158، و يقول : ﴿ذَلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، الحج: 30، و قد ورد في الحديث عن النبي -صلى الله عليه و سلم- أنه قال : (لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا- يعني الكعبة- ، فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ هَلَكُوا)([59]).
و أفضل زاد يحمله الحاج معه في رحلته الروحية هو التقوى، قال تعالى : ﴿وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، البقرة: 197 ؛ كما قال ابن رجب - رحمه الله : " فما تزود حاج و لا غيره أفضل من زاد التقوى، و لا دعي للحاج عند توديعه بأفضل من التقوى و قد روي أن النبي صلى الله عليه و سلم ودع غلاما للحج فقال له : "زودك الله التقوى"،([60]) ذلك أن الحج على كثرة مناسكه و كثرة قربات الحاج فإن التقوى هي مقياس القبول أو الرفض للأعمال، قال تعالى : ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَ لا دِمَاؤُهَا وَ لَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾، الحج: 37.
5-             البر:
من أسمى المعاني التي يستوجبها الحج المبرور و التي تسهم في رص صفوف المسلمون و تحابهم و تنزع الغل من قلوبهم:
 أ- الرفق بالحجيج في الطواف و الإفاضة و عند مزدلفة فقد سَمِع رسولُ الله - صلَّى الله عليه و سلَّم - زجرًا شديدًا و ضربًا و صوتًا للإبل، فقال : ( وَ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ )([61]).
ب-  بدْل الطعام و إفشاء السلام حيث قال رسول الله - صلَّى الله عليه و سلَّم : ( الحَجٌّ المَبْرُورٌ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ "،  قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الحَجٌّ المَبْرُورٌ ؟،  قَالَ : " إِطْعَامُ الطَّعَامِ, وَ إِفْشَاءُ السَّلامِ)  ([62]).
ج- اليسر([63]: يتجلى اليسر في محطات كثيرة من محطات الحج، في جواز التأخير في رمي الجمارات، و في تأخير طواف الإفاضة، و في سقوط طواف الوداع عن الحائض و النفساء، و في اختلاف الحجاج في مغادرة مكَّة و الخروج منها، فمنهم المتعجِّل، و منهم المتأخر : ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾، البقرة:203،  و قبل ذلك كله في فرض الحج على المستطيع مرة في العمر.
6-             العفو و الصبر على الأذى:
العفو خلق كريم تحلى به رسولنا الأعظم و حث الصحابة و من بعدهم المسلمين على التحلي به، و ضرب لنا في ذلك مثلا رائعا عن العفو بعد المقدرة و هو ما لم نجده في الحروب التي يذكرها الغرب في كتب التاريخ، فالنبي عاني الأمرين من قريش، فلما كان يوم الفتح قال سعد بن عبادة : " يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا....و قال عبد الرحمن بن عوف و عثمان بن عفان : يا رسول الله ما نأمن سعدا أن يكون منه في قريش صولة، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله فيه قريشا)، و أرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى سعد فعزله".([64])
إن الحج عبادة بدنية قد يصاحبها مشقة في تحقيق أركانها مع كثرة الحجيج و اختلاف طبائعهم و التزامهم بوقت واحد للعبادة؛ لذلك كان لزام على الحاج التحلي بالصبر و الدفع بالحسنى و بذل بعض التنازل في سبيل ضمان سير الأمور دون أن يستشعر الدنية في صبره و تنازله فقد قال صلى الله عليه و سلم : ( و ما زَاد الله عَبداً بعَفو إلا عِزًّا)([65])، و قال تعالى : ﴿ وَ اللَّـهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، آل عمران: 146.
 كما يجب على الحاج تجنب الخوض في المسائل الخلافية و الجدال و الرفث محتسبا فعله هذا لله عز و جل قال تعالى : ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ  فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَ لَا فُسُوقَ وَ لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَ مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ ، البقرة: 197، و قال صلى الله عليه و سلم : (أَنَا زَعِيمُ بَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَ إِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَ بَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَ إِنْ كَانَ مَازِحًا، وَ بَيْتٍ فِي أَعَلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ).([66])
إن الرسول الأعظم ضرب لنا أمثلة واضحة في حسن الخلق و الصبر على البلاء و تجنب الفحش من القول و الفعل فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ : ( إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَ إِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً)"([67]).
7-             تعلم ثقافة الاختلاف و نبذ التعصب:
 إن أهم درس يمكن للحاج تعلمه هو ثقافة الاختلاف، فالحج مهرجان يبرز تعدد الأعراق و اختلاف الأزياء و تنوع العادات و التقاليد و كثرة اللهجات و تباين الطبائع، و هو فرصة ليكتشف الحجاج كلهم التنوع المحمود في الأجناس و في  المرجعيات الدينية السنية - فهذا مصري شافعي و هذا مغربي مالكي، و هذا شامي حنفي و هذا حجازي حنبلي- و في المنطلقات الفكرية، و قد قيل قديما: الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا.
هذا التنوع المحمود يؤسس لرسوخ الفكر الوسطي لدى الحجاج فالتآخي و التعاون و البر الذي يصاحب هذا التنوع يورث الاحترام المتبادل، و استشعار النية الصادقة لخدمة الإسلام بين جموعهم تجعلهم على مسافات متقاربة فكرا و تدينا و حبا للخير و عملا بقوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾، أخوة قد لا تخلو من بعض الاختلاف و سوء الفهم لذا أتبعها الله تعالى بقوله : ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾  إصلاحا لا يخلوا من التقوى فقال : ﴿ وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾، الحجرات: 10.
8-             حرمة دماء و أموال المعصومين:
إن أعظم قيمة إنسانية أقرها الرسول الكريم في خطبة الوداع هي حرمة دماء المعصومين حينما قال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ..... فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَ أَمْوَالَكُمْ قَالَ وَ لَا أَدْرِي قَالَ أَوْ أَعْرَاضَكُمْ أَمْ لَا كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَلَّغْتُ قَالُوا بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ...) ([68])، و قدمها على حرمة الكعبة حيث خاطبها و هو يطوف بها فقال : (مَرْحَبًا بِكِ مِنْ بَيْتٍ، مَا أَعْظَمَكِ وَ أَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَ لَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنْكِ وَاحِدَةً وَ حَرَّمَ مِنَ الْمُؤْمِنِ ثَلاثًا : دَمَهُ، وَ مَالَهُ، وَ أَنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْء)([69]).
إن الحجاج على اختلاف أعمارهم خاصة الشباب في حاجة ماسة إلى هذه القيم الربانية التي تحصنهم من العنف و الغلو و الإرهاب، و الحج فرصة سانحة لغرس هذه القيم بين المسلمين، فالجهل بالدين و ليس الدين هو أفيون الشعوب.
9-             الجمع بين الحج و التجارة:
الحج و إن كان أياما معدودات يؤدي فيها الحاج شعيرة سنوية تفرض مرة واحدة في العمر، فإن الله عز و جل رخص فيها بالاتجار، فقال تعالى : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾، البقرة: 198، و المراد بالفضل في الآية  التجارة و نحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق، فدلَّت الآيةُ على جواز التجارة للحاج حالَ السفر لتأدية ما افترضه اللهُ من الحجِّ،  و عن ابن عباس رضي الله عنهما:" كانت عكاظ و مجنة و ذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت : ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ في مواسم الحج"([70]).
إن هذا الجمع بين العمل الديني و العمل الدنيوي في الآية الكريمة : ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾، الحج: 28 يدل على أن تعاليم الشرع تحقق امتزاجا تاما بين المثالية و الواقعية، حيث يستطيع الإنسان أن يعبد ربه بينما يكون منهمكا في شئون حياته اليومية، إذ لا رهبانية في الإسلام، يقول صلى الله عليه و سلم : ( لَيْسَ خَيْرُكُمْ مَنْ تَرَكَ دُنْيَاهُ لآخِرَتِهِ، وَ لا مَنْ تَرَكَ آخِرَتَهُ لِدُنْيَاهُ, حَتَّى يَنَالَ مِنْهَا, فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَبْلَغُهُ إِلَى الأُخْرَى, وَ لا تَكُنْ كَلا عَلَى النَّاسِ ).([71])
ثانيا: استثمار معاني الوسطية في الحج في نشر الفكر الوسطي 
1-             إشراك الحجيج في عملية التعريف بالوسطية:
إن نجاح أي مشروع مرهون بمدى تقبل الناس له و رغبتهم في استمراره، و الفكر الوسطي باعتباره مشروع أمة و طريق فلاح لابد لنجاحه من إشراك جميع عناصر المجتمع المسلم في فهمه الفهم الصحيح و تمكينه من حياتهم باتخاذه منهجا و سبيلا، و إذا كنا نهدف إلى الاستفادة من الحج لإشاعة هذا الفكر فلا أحسن من إشراك الحجيج في هذا المشروع النهضوي، و بخاصة فئتي النساء و الشباب.
أ‌-                 إشراك المرأة في نشر الفكر الوسطي:
إن إشراك المرأة في التعريف بوسطية الإسلام أصبح ضرورة حتمية أكثر من أي وقت مضى، و ذلك من خلال العمل على فتح فضاءات حوارية على هامش الحج تجمع الداعيات و المفكرات بنساء الحجيج  من كل البلاد كل حسب لغته للتعريف بدور المرأة الخطير في تربية أبنائها على الوسطية و حمايتهم من الوقوع صيدا للفكر المتطرف.
إن قدسية المكان و الزمان كفيلة باستنهاض الهمم و التعريف بعظم المسئولية الملقاة على عاتق المرأة المسلمة في نشر الفكر الوسطي بين الأسرة و المجتمع، فالتربية السليمة و إن كانت تأخذ وقتها في تحقيق النتائج هي أقصر الطرق و أنجعها لحماية الإسلام من أعدائه التقليدين و المعاصرين، إننا و من خلال هذه الفضاءات نستطيع تكوين شريحة من النساء عارفات بدينهن، مؤديات لواجباتهن تجاه ربهن و وطنهن، مشاركات في حماية الدين من الحملات المسعورة التي تتوالى تباعا على أمتنا.
ب‌-           إشراك الشباب في نشر الفكر الوسطي:
إن أكثر ضحايا الفكر المتطرف هم الشباب ممن تقطعت بهم السبل السوية، و طغت على عقولهم الأمية العقدية التي تمخضت من ضحالة المعرفة، و قصور في الفهم الصحيح للمنهج الرباني، و تشبع  بالأفكار هدامة التي ولدت لديهم مفاهيم خاطئة عن الجهاد، ترجمت إلى جرائم تخرج عن نطاق التصور و تخالف الفطرة الإنسانية السليمة، و التي اتخذت من فتاوي التكفير و الجهاد مرجعية لها.([72])
إن استغلال الحالة النفسية للحاج الشباب التي تساعده على قبول الحوار و تقبل ثقافة الاختلاف تمكن من تحصينه حتى لا يقع عرضة للأفكار المنحرفة و الآراء الهدامة، و تغرس في نفسه رسالة هي في غاية الخطورة و الأهمية مفادها أنه يتعين على المستفتين الرجوع في مسائلهم إلى العلماء الربانين المشهود لهم بالتقوى.
كما أن فتح أبواب الحوار على مصرعيه أمام الشباب و إعطائهم الفرصة لعرض أفكارهم مهما جانبت الحق إفراطا و تفريطا و الرد عليها بالعقل و الحكمة و النص الشرعي القاطع سيحرر عقولهم و يفتح قلوبهم ليتحولوا من معول هدم إلى وسيلة بناء، و من طاقة سالبة مهدرة إلى طوفان ايجابي يبني الأمة و يرفع رايتها عالية بين الأمم.
2-             إشراك الإعلام في التعريف بالوسطية:
الحج مؤتمر سنوي يحضره المسلمون من كل فج عميق تجمعهم التلبية للنداء و الوحدة في أداء الشعائر في جو مهيب يجعل من الصورة رسالة قوية كاملة الأركان، هذه الرسالة التي يمكن لوسائل الإعلام نقلها من أرض الحدث  إلى كل بقاع الأرض على المباشر؛ لتعرف العالم أجمع بالإسلام و خصوصيته و كثرة أتباعه و سهولة اعتناقه.
و نقصد هنا الإعلام بشقيه، الإعلام الغربي و الإعلام التابع للدول المسلمة و الذي يبث بلغات شتى، فالحج فرصة سانحة للتعريف بعالمية الإسلام و قيمه السامية، و التركيز على إبراز معاني الوسطية و الاعتدال في الحج من خلال الوقوف على شعائر الحج و رصد تحركات الحجيج و ما تبرزه من تنوع بشري يقل نظيره أو يكاد يستحيل في غير الحج بشهادة مفكرين و علماء غير مسلمين كالسير طوماس أرنولد يري" في الحج عملا ساميا، نجد زنجي ساحل إفريقيا الغربي يلتقي بالصيني من أقصى المشرق، و يتعرف التركي على أخيه من جزر الملايو في عطف و حنان و يجتمعون حول الكعبة التي يولون وجوههم شطرها في كل ساعة من ساعات عباداتهم الخاصة في أوطانهم النائية، لم تستطع أي محاولة يقوم بها عباقرة أي دين أن تتصور وسيلة أحسن من هذه الوسيلة "....([73])، ثم يقول في موضع آخر يقول : " كان المثل الأعلى الذي يهدف إلى أخوة المؤمنين كافة في الإسلام من العوامل القوية التي جذبت الناس بقوة نحو هذه العقيدة".([74])
كما يمكن للإعلام توظيف ما كتبه المسلمون الجدد عن الإسلام، ذلك أنهم أكثر الناس فهما للإسلام و إحساسا بعظمته، و بتفوقه الحضاري على الفكر الغربي، فقد ولدوا في البيئة الغربية و تربوا على الطريقة الغربية و استطاعوا بصفاء فكرهم من جهة و بفهمهم العميق للحضارة الغربية من جهة أخرى أن يعتنقوا الإسلام، كما استطاعوا في كثير من الأحيان أن يدافعوا عنه أحسن ممن ولدوا مسلمون؛ لأن لهم قدرة واضحة على مخاطبة العقل الغربي بما يفهمه.
إننا بذلك نقطع الطريق على من يروج للإسلام فوبيا على أنه حتمية صنعها المسلمون بدينهم و ما يحتويه من قتل و إكراه و تسلط على الحريات، و على من جمدوا النصوص لجمود في عقولهم فشوهوا الإسلام و لبسوا على الناس دينهم، و حرموا الغرب نعمة الفهم الصحيح للإسلام.

الرابط: http://wefaqdev.net/st_ch726.html

قراءة 453 مرات آخر تعديل على الخميس, 05 كانون2/يناير 2017 18:34
(function(d, s, id) { var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)[0]; if (d.getElementById(id)) return; js = d.createElement(s); js.id = id; js.src = "//connect.facebook.net/en_US/all.js#xfbml=1"; fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs); }(document, 'script', 'facebook-jssdk'));
(function() { window.___gcfg = {lang: 'en'}; // Define button default language here var po = document.createElement('script'); po.type = 'text/j-avascript'; po.async = true; po.src = 'https://apis.google.com/js/plusone.js'; var s = document.getElementsByTagName('script')[0]; s.parentNode.insertBefore(po, s); })();

رأيك في الموضوع

{ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18

1 تعليق

  • تعليق Teena الخميس, 31 آب/أغسطس 2017 13:29 أرفق Teena

    I got this web site from my friend who told me about
    this site and at the moment this time I am visiting
    this website and reading very informative articles at this time.

    تبليغ