قال الله تعالى

 {  إِنَّ اللَّــهَ لا يُغَيِّــرُ مَـا بِقَــوْمٍ حَتَّــى يُـغَيِّـــرُوا مَــا بِــأَنْــفُسِــــهِـمْ  }

سورة  الرعد  .  الآيـة   :   11

ahlaa

" ليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، و إنما المهم أن نرد إلي هذه العقيدة فاعليتها و قوتها الإيجابية و تأثيرها الإجتماعي و في كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم علي وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده و نملأ به نفسه، بإعتباره مصدرا للطاقة. "
-  المفكر الجزائري المسلم الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله  -

image-home

لنكتب أحرفا من النور،quot لنستخرج كنوزا من المعرفة و الإبداع و العلم و الأفكار

الأديبــــة عفــــاف عنيبـــة

السيـــرة الذاتيـــةالسيـــرة الذاتيـــة

أخبـــار ونشـــاطـــاتأخبـــار ونشـــاطـــات 

اصــــدارات الكـــــاتبــةاصــــدارات الكـــــاتبــة

تـــواصـــل معنــــــاتـــواصـــل معنــــــا


تابعنا على شبـكات التواصـل الاجتماعيـة

 twitterlinkedinflickrfacebook   googleplus  


إبحـث في الموقـع ...

  1. أحدث التعليــقات
  2. الأكثــر تعليقا

ألبــــوم الصــــور

e12988e3c24d1d14f82d448fcde4aff2 

مواقــع مفيـــدة

rasoulallahbinbadisassalacerhso  wefaqdev iktab
الأربعاء, 20 كانون2/يناير 2016 06:01

تسامح الإسلام مع غير المسلمين 1/4

كتبه  assakina.com
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تسامح الإسلام مع غير المسلمين : 
حصر و استقراء النصوص و الآثار المتعلقة بتعامل المسلمين مع غيرهم

قال أبو الفوارس (1):

ملكنا  فكان العفو منـا  سجية
                                   فلما  ملكتم  سـال بالدم أبطح
و حللتم  قتـل  الأسارى  وطالما
                                  غدونا على الأسرى نمن و نصفح
و حسبكم  هـذا  التفاوت  بيننا 
                                  و كل  إنـاء  بالذي  فيه  ينضح

المقدمة

إن الحمد لله, نحمده و نستعينه و نستغفره, و نعوذ بالله من شرور أنفسنا, و سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, و من يضلل الله فلا هادي له, و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ و أشهد أن محمداً عبده و رسوله. 

أما بعد: فإن إقامة البراهين الدالة على سماحة الإسلام مع غيره من غير المسلمين كثيرة جداً من كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم و السيرة النبوية و الوقائع التاريخية, و قد شهد بذلك القاصي و الداني, و شهد بذلك حتى غير المسلمين.

فهذا أحد المستشرقين و هو برناد لويس يقول عن تسامح المسلمين: “و في نظرة المسلمين إلى المسيحية تسامح و تساهل أكثر بكثير مما في نظرة أوربا المسيحية المعاصرة التي تنظر إلى الإسلام على أنه باطل و شر. و هذه النظرة المتسامحة من المسلمين تنعكس في المعاملة الحسنة و التسامح الكبير الذي يلقاه أتباع الديانة المسيحية في المجتمعات الإسلامية بالرغم من موقف المسيحيين كديانة منافسة(2).

و يقول توماس أرنولد: “إن تسامح العرب كان وراء دخول الكثير في الإسلام”(3).

و يقول فيكتور سحاب:  لا شك أن المسيحيين المخضرمين الذين عاصروا الفتح الإسلامي هم أكثر من لمس الأمر بوضوح، إذ انتقلوا فجأة من سلطان دولة كانت تضطهدهم اضطهاداً وصفه بعض المؤرخين العصريين في أوروبا بأنه لا يشبه حتى أعمال البهائم، إلى سلطان دولة حافظت لهم على أديارهم و بيعهم، كما خيرتهم بين اعتناق الإسلام، و البقاء على دينهم بشرط الدخول في ذمة المسلمين، أي بشرط الإنضمام إلى دولة الإسلام و رفض القتال مع أعدائها، و كان ( ألكيروس)- الكنيسة المصرية – متخفياً في الصحاري هرباً من المذابح البيزنطية؛ فلما جاء الفتح الإسلامي عادت الكنيسة المصرية إلى حرّيّتها الكاملة علناً، و لقد كان في الإسلام متسع للنصارى لم يكن متاحاً لهم شيء منه في دولة بيزنطية, و تمتعت المذاهب المسيحية العربية على اختلافها بعد ظهور الإسلام بالحرية التي كانت تقاتل من أجلها تحت حكم بيزنطة، و وقت كانت جميع الدول لا ترضى بدين آخر داخل تخومها(4). 
 
و في هذا البحث الاستقرائي من سنة المصطفى صلى الله عليه و سلم، نعرض أوجه كثيرة من تسامح الإسلام مع شتى الديانات بمختلف أصنافها و تنوعها، و نعرض صوراً من هذا التسامح بمواقف مشرّفة من حياة نبينا عليه الصلاة و السلام، الذي قال الله في حقه: (وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم:4]، و هو قدوة و أسوة المسلمين جميعاً, نسأل الله أن نكون قد وفقنا في جمع مادة هذا البحث, و أن يرزقنا الإخلاص في القول و العمل.

منهج البحث
 هذا الموضوع من الأهمية بمكان, و خصوصا في مثل هذا الزمان الذي كثر فيه الطاعنون في دين الإسلام, و محاولة تشويه حقيقته المشرفة، و إقامة البراهين الدالة على سماحة الإسلام مع غيره من غير المسلمين كثيرة جداً, و هذه النصوص و المواقف و النماذج العملية كثيرة و مبثوثة في بطون الكتب و المراجع, و تحتاج إلى بحث و استقراء و تأمل في الأحاديث و النصوص, فرب كلمة في حديث طويل دلت على المراد، كما في قصة مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طعن قال: يا ابن عباس انظر من قتلني فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة. قال: الصنع؟ قال: نعم. قال: قاتله الله لقد أمرت به معروفاً، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام(5). وعلى ذلك:

1- قمت باستقراء الكتب الستة: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وكذلك الموطأ والدارمي ودلائل النبوة لأبي نعيم وللبيهقي، وكذلك “مستدرك” الحاكم.

2- بعد ذلك قمت باستقراء الكتب التي عنت بالزوائد على الكتب الستة كـ”المطالب العالية” لابن حجر، و”مجمع الزوائد” للهيثمي ،و”إتحاف الخيرة” للبوصيري، والزوائد على صحيح ابن حبان المسمى “موارد الظمآن”.

3- كذلك قمت بالبحث والنظر في كتاب “المصنف” لابن أبي شيبة، و”المصنف” لعبد الرزاق الصنعاني، وكتاب “المعجم” لابن المقريء، و”البداية والنهاية” لابن كثير, وموسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية، وكتب شيخنا الألباني رحمه الله، وغيرها، كذلك استفدت من الكمبيوتر في بحثي بواسطة أقراص الموسوعات الحديثية.

4- قمت بتخريج الأحاديث وعزوها إلى مصادرها وتوثيقها وبيان درجتها من الصحة أو الضعف في الأغلب، وقد اعتمدت توثيق شيخنا الألباني رحمه الله في ذلك في الأغلب. 

5- أبقيت الأحاديث المرسلة وبلاغات ابن إسحق المتعلقة بالسيرة النبوية، وقمت بحذف الأحاديث التي في رواتها متروك أو كذاب أو شديدة الضعف في الأغلب.

6- بلغ مجموع الأحاديث والآثار التي قمت بجمعها أكثر من (370) بين حديث مرفوع أو أثر لصحابي أو قول لتابعي.

7- إذا كان الحديث في “الصحيحين” أو في أحدهما اكتفيت بالعزو  إليها , فإن لم يوجد في واحد منهما , ووجد في السنن الأربعة اكتفيت بالعزو إليها, فإن لم يوجد في الكتب الستة عزوت الحديث حسب مصدره.

8- قمت بترجمة لأهم الأعلام الواردين في البحث.

9- قمت بذكر بعض فوائد الأحاديث والآثار.

 وقد رتبت البحث على النحو الآتي:

الباب الأول:

 تمهيد 

– بيان أن  الإسلام  حث على خلق الرحمة مع غير المسلمين. 
– بيان أن الإسلام دين هداية.   
– التسامح في الاعتقاد والعبادة. 
– الوصية بأهل الذمة والإحسان إلى أهل العهد.
– حرمة دماء أهل الذمة والعهد والمستأمنين. 
– حرمة أموالهم وأعراضهم.
– حرمة أذيتهم وظلمهم.
– الوفاء بالعهود والمواثيق.
– جواز الصدقة على أهل الذمة والعهد والأمان إذا كانوا فقراء.

– الحكم بين أهل الذمة.
– قبول شهادة غير المسلمين.
– قبول شفاعتهم في بعض الأحوال.
– حكم السلام على غير المسلم ومصافحته.
– الاستئذان على المشركين.
– جواز إكرامهم. 
– حل ذبائح أهل الكتاب. 
– معاملتهم في البيع والشراء والتجارة والإجارة وغيرها من المعاملات. 
– أخذ العلوم عنهم وتعلم لغتهم. 
– جواز استطباب غير المسلم. 
– حق الجوار لغير المسلم.
– عيادة غير المسلمين.
– الدعاء لهم بالهداية ونحو ذلك.
– مخالطة غير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم.
– التهادي معهم  وقبول هداياهم. 
– صلة  الرحم للمشرك القريب.
– موافقة أهل الكتاب. 
– تعزية الذمي ودفنه. 
– الإرث والوصية. 
– الزواج من أهل الكتاب.
– الرواية والحديث عنهم.
– الإحسان إليهم. 
– قبول دعوتهم. 
– المن عليهم بالعتق. 
– العفو عنهم. 
– العدل.
– مظاهر التسامح في الجهاد.
– مظاهر التسامح في الجزية.

10- الباب الثاني: قمت بعد ذلك بذكر القواعد والضوابط الفقهية والآداب السلوكية المستنبطة من الأحاديث والآثار المذكورة في الباب الأول لسماحة الإسلام مع نماذج تطبيقية على حسب مارتبناه في الباب الأول.

11- قمت بعمل فهرس للأحاديث النبوية المرفوعة والأثار الموقوفة عن الصحابة والتابعين , وفهرس عام .

الباب الأول

تمهيد: 
 
الإسلام دين اليسر ورفع الحرج والمشقة؛ فلا عسر فيه ولا أغلال ولا آصار, وهذه ميزة للإسلام لا يشاركه فيها دين آخر, وقد كانت الأمم السابقة تكلف بتكاليف عسيرة, وفرض عليها فرائض شديدة, وذلك لكثرة عنادهم وشكوكهم، قال تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)[الأعراف:175]، وقال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا)[النساء:160]، وقال تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة:286].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم يسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم))(6). 
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما بعثت بحنيفية سمحة))(7).

ومن هذا المنطلق فقد شمل الإسلام بيسره ورفقه الناس حتى غير المسلمين؛ فتسامح معهم في كثير من القضايا والأحكام, ومنحهم كثيراً من الحقوق(8). وقد تجلى هذا التسامح  في رحمة الإسلام الواسعة. فمن أسماء الله تعالى الحسنى الرحمن الرحيم, ومن صفاته الرأفة والرحمة، قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)[الأعراف:156].

قال الألوسي(9) رحمه الله في تفسير هذه الآية: ” أي شأنها أنها واسعة تبلغ كل شيء، ما من مسلم ولا كافر، ولا مطيع ولا عاص، إلا وهو متقلب في الدنيا بنعمتي”(10).

وبين الله أنه أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للخلق كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)[الأنبياء:107].

فرحمة المسلمين لا تختص بهم فقط، بل هي شاملة لهم ولغيرهم من المخلوقات في الدنيا. فقد أمر صلى الله عليه وسلم أمته برحمة كل من أوجده الله تعالى على هذه الأرض، من إنسان وحيوان.

فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قَال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))(11). 
و(من) الموصولة في قوله: (ارحموا من في الأرض)، شاملة للإنسان مسلما أو كافراً، وللحيوان كذلك، وعلى هذا حمله العلماء.

قال الحافظ ابن حجر(12) رحمه الله: “قال ابن بطال(13): فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق، فيدخل المؤمن والكافر، والبهائم المملوك منها وغير المملوك، ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والسقي والتخفيف في الحمل وترك التعدي بالضرب…”(14).

ونفى الله تعالى رحمته عمن لم يرحم الناس، كما في حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قَال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس))(15).
 
وهو نفي عام يدخل فيه كل الناس، والنفي هنا للوعيد والتحذير والتنفير من الغلظة والشدة والعدوان على الناس، ولا يلزم منه حرمان من فقد الرحمة الواجبة من رحمة الله له في الدنيا، بمنحه الرزق والصحة والقوة المادية والذرية وغيرها، سواء كان من المسلمين أو غيرهم، ابتلاء له وامتحانا، لأن رحمة الله في الدنيا تعم جميع خلقه.

ومن الأدلة على شمول رحمة الخلق أن الله جعل من يقوم على اليتامى، بالإنفاق والكفالة الشاملة التي يحتاجون إليها، شركاء لرسوله صلى الله عليه وسلم في الجنة، كما في حديث سهل عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً))(16).

وبين في حديث أبي هريرة أنه يستوي في هذه المنزلة من كفل يتيماً من أقاربه أو من غيرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كافل اليتيم – له أو لغيره- أنا وهو كهاتين في الجنة وأشار مالك بالسبابة والوسطى))(17).
وهو يشمل كذلك يتامى المسلمين وغيرهم، كما تدل عليه صيغة العموم، لأن “أل” في اليتيم للجنس.

وقد تعدت رحمة الإسلام حتى إلى الحيوان والطير، ومن أمثلة ذلك:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: ((بينا رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقِيَ، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال: في كل كبد رطبة أجر))(18).

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أخبر  أن الله غفر لامرأة بغي لسقيها كلباً اشتد عطشه. كما في حديث أبي هريرة: ((أن امرأة بغياً رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر، قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها فغفر لها))(19).

وعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته؛ فرأينا حمّرة(20) معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش (أي ترفرف)، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها)), ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: ((من حرق هذه ؟)). قلنا: نحن. قال: ((إنه لاينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار))(21).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض))(22).

فإذا كانت هذه الرأفة والرحمة والتسامح مع الحيوان والطير؛ فلا شك أن بني آدم أولى بهذه الرحمة والرأفة بمختلف ألوانهم وأجناسهم.

حث الإسلام  على خلق الرحمة مع غير المسلمين

وهنا سرد  للأحاديث التي فيها الحث على خلق الرحمة.

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله ادع على المشركين! قال: ((إني لم أبعث لعاناً, وإنما بعثت رحمة))(23).

2- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً, وأن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا. قال الله عز وجل: إن شئت آتيناهم ما سألوا؛ فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم, وإن شئت نستأني بهم لعلنا ننتج منهم. فقال:  لا، بل أستأني بهم . فأنزل الله هذه الآية: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً)[الإسراء:59](24).

3- وفي رواية صحيحة  عند البيهقي في “دلائل النبوة” (2/272): وإن شئت أن أفتح لهم باب التوبة والرحمة؟ فقال رسول الله: ((لا بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة)).

4- عن عروة أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته: أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: ((لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال؛ فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب؛ فرفعت رأسي؛ فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت؛ فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك, وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم! فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً))(25).

فوائد الأحاديث:

فيها بيان عظم الإسلام وسماحته، فقد رفض النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء على المشركين ورجا من الله أن يهديهم, وأن يستأني بهم, وأن يفتح لهم باب التوبة.
 5- عن مسروق قال: قال عبد الله رضي الله عنه: إنما كان هذا لأن قريشاً لما استعصوا على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف ؛ فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد؛ فأنزل الله تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدخان:10-11]. قال: فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت. قال: لمضر؟ إنك لجريء. فاستسقى فسقوا. فنزلت: (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ?[الدخان:15]. فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية؛ فأنزل الله عز وجل: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ)[الدخان:16]. قال يعني يوم بدر(26).

فوائد الحديث:

في الحديث دليل على سماحة الإسلام ورأفته؛ فمع ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه؛ فهو يدعو لهم بالرزق والمعافاه.

6- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد؛ فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد؛ فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما عندك يا ثمامة))؟. فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم, وإن تنعم تنعم على شاكر, وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فترك حتى كان الغد فقال: ((ما عندك يا ثمامة))؟. فقال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتى كان بعد الغد.فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك.  فقال: ((أطلقوا ثمامة)). فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي, والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب دين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي, وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة؛ فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر؛ فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم (27).

7- زاد ابن هشام في “السيرة” بلاغاً (6/51): ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً؛ فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قطعت أرحامنا؛ فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل(28).

قال ابن حجر: وفي قصة ثمامة من الفوائد: ربط الكافر في المسجد والمن على الآسير الكافر, وتعظيم أمر العفو عن المسيء؛ لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حباً في ساعة واحدة لما أسداه النبي صلى الله عليه وسلم إليه من العفو والمن بغير مقابل، وأن الإحسان يزيل البغض ويثبت الحب، وفيه الملاطفة بمن يرجى إسلامه من الأسارى إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير، اهـ. قلت: ومن فوائده أيضاً أنه دل على جواز تصدير الطعام إلى المشركين, وإن كانوا أهل حرب.

8- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم)). قالوا: يا رسول الله كلنا يرحم قال: ((ليس برحمة أحدكم صاحبه يرحم الناس كافة))(29).

فوائد الحديث:

أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى رحمة الناس كافة فيدخل فيهم المسلم والكافر والصغير والكبير والذكر والأنثى.

الإسلام دين هداية

 حرص الإسلام على هداية الناس لإخراجهم من الضلالة إلى الهدى, وإنقاذهم من النار. ولذلك قال الله مرغباً أهل الكتاب بالإسلام: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ) [المائدة:65-66].

فقد جاء الإسلام ليهدي الضالين ليتمكنوا بحججه وبيناته من التفريق بين الحق والباطل، كما قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ…)[البقرة:185]. وقال تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)[الإسراء:9].

وهو امتداد للهدى الذي منحه الله تعالى للبشرية من يوم خلق أصلها آدم عليه السلام، وجعله معيارا يفرق به بين المهتدين والضالين، كما قال تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[البقرة:39].

ومن الأحاديث التي تدل على حرص الإسلام على هداية الناس جميعاً وترغيبهم فيه:

9- عن أبي هريرة رضي الله عنه: قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن دوساً عصت وأبت فادع الله عليها. فقيل: هلكت دوس. قال : اللهم اهد دوساً وأت بهم(30).

فوائد الحديث: جواز الدعاء للمشركين بالهداية , وقد فهم من ذلك الإمام البخاري وعليه فقد بوب باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم .

وقال الكرماني (31): هم طلبوا الدعاء عليهم ورسول الله دعا لهم, وذلك من كمال خلقه العظيم, ورحمته على العالمين(32).

وبوب البخاري في “صحيحه”: باب دعوة اليهود والنصارى وعلى مايقاتلون عليه وما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر والدعوة قبل القتال.
وبوب كذلك باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، وقوله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ..) إلى آخر الآية/آل عمران (79).

10- ثم ذكر عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما أنه أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي ,وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر, وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكراً لما أبلاه الله؛ فلما جاء قيصر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين قرأه: التمسوا لي ها هنا أحدا من قومه لأسألهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم … الحديث(33).

وقد أخرج البخاري الحديث مطولاً:

11- عن عبد الله بن عباس: أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش, وكانوا تجاراً بالشأم في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسباً. فقال: أدنوه مني وقربوا أصحابه؛ فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل عن هذا الرجل؛ فإن كذبني فكذبوه فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت عنه. ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال : فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيء واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.

فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب؛ فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت أن لا فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا. قلت: فلو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع الرسل, وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون, وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؛ فذكرت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف؛ فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أني أعلم حتى أخلص إليـه لتجشمت لقاءه, ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيـه: 
((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين؛ فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)[آل عمران:64].

قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أنه يخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.

وكان ابن الناطور صاحب إيلياء، وهرقل أسقفاً على نصارى الشأم، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك.



رابط الموضوع : http://www.assakina.com/politics/6675.html#ixzz3xl3kjYaf

قراءة 5678 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 27 كانون2/يناير 2016 07:54

أضف تعليق


كود امني
تحديث