قال الله تعالى

 {  إِنَّ اللَّــهَ لا يُغَيِّــرُ مَـا بِقَــوْمٍ حَتَّــى يُـغَيِّـــرُوا مَــا بِــأَنْــفُسِــــهِـمْ  }

سورة  الرعد  .  الآيـة   :   11

ahlaa

" ليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، و إنما المهم أن نرد إلي هذه العقيدة فاعليتها و قوتها الإيجابية و تأثيرها الإجتماعي و في كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم علي وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده و نملأ به نفسه، بإعتباره مصدرا للطاقة. "
-  المفكر الجزائري المسلم الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله  -

image-home

لنكتب أحرفا من النور،quot لنستخرج كنوزا من المعرفة و الإبداع و العلم و الأفكار

الأديبــــة عفــــاف عنيبـــة

السيـــرة الذاتيـــةالسيـــرة الذاتيـــة

أخبـــار ونشـــاطـــاتأخبـــار ونشـــاطـــات 

اصــــدارات الكـــــاتبــةاصــــدارات الكـــــاتبــة

تـــواصـــل معنــــــاتـــواصـــل معنــــــا


تابعنا على شبـكات التواصـل الاجتماعيـة

 twitterlinkedinflickrfacebook   googleplus 


إبحـث في الموقـع ...

ألبــــوم الصــــور

مواقــع مفيـــدة

rasoulallahaomabinbadisbassairveccosassalachihabbinnabilejeunemusulmansultan cerhso shamela wefaqdev iktab
الأحد, 03 أيلول/سبتمبر 2017 07:01

رضى أمي بأي ثمن 4/6

كتبه  عفاف عنيبة
رضى أمي بأي ثمن 4/6

المشهد العاشر

تمر السنين، تتخرج غابريلا دي سنيورا و تخوض غمار الأعمال الحرة في مجال المقاولات و تنجح، و تشتري مع صديقة طفولتها شقة، إلا أنها تبقي إلي جنب أمها إلي حين ما ترحل هذه الأخيرة بعد مرض عضال. فيعود قصر أبيها فارغا، فتطلب من عمها بيار لويجي ان يقيم به، فيفعل شرط أن تقسم وقتها بين بيت ابيها و شقتها الخاصة.

مع السنين و مرارة التجربة نضجت غابريلا و أصبحت إمرأة في السابعة و العشرين من العمر، حازمة مسؤولة و عفيفة بأتم معني الكلمة، كانت تراقب عمل الورشات في النهار و تترك المهمة لرجال عائلة أبيها في الليل، كسبت سمعة من ذهب في العمل. و في حياتها الشخصية، كانت تحرص علي صداقة صديقة طفولتها و تلاعب أبناء اختها الكبري و تسعد بوجود عمها و أخوالها و أبناءهم و أحفادهم  في حياتها.

كثيرون هم الرجال الذين أعجبوا بشخصيتها لكنها لم تمنح لأحد أي فرصة، أغلقت بابها علي نفسها بشكل صارم.

و في يوم ما و هي تزور أختها روزانا تلتقي في الحديقة الأمامية بتوماس سورين الذي لبي دعوة صديقه الإيطالي زوج روزانا إلا أن سريعا ما إنسحبت.

أشهر بعد ذلك اللقاء، يعرض عليها زوج أختها عمل مشترك بينها و بين توماس سورين، تدرس المشروع بأناة ثم يتم لقاء مهني بينها و بين الشاب الفرنسي و بعدها تقرر قبول المشروع.

 

هكذا يعقد القدر لقاء بين توماس سورين المصدوم نفسيا و عاطفيا و بين غابريلا دي سينورا المجروحة نفسيا و جسديا، أكثر ما سحرني في شخصية غابريلا تفانيها في خدمة أمها إلي آخر رمق في حياتها. أعادت سنة جامعية من أجل أن تبقي إلي جنبها تمرضها. و كم سعدت بتلك اللحظات التي كانت تقاسم فيها اللعب أبناء أختها الثلاث، إنها لحظات لا تنسي و تنقش في الذاكرة مدي الحياة.

أظهرت شجاعة كبيرة، عندما اخبرتها المصالح الأمنية الإيطالية بخروج المجرم الذي إغتصبها من السجن و كيف انه ممنوع عليه الإقتراب منها أكثر من خمسة امتار و كيف أن عمها دفع مستحقات حارس شخصي لإبنة أخيه دون علمها.

كم أعجبت بسلوكها العفيف، كيف منعت علي نفسها الخمر و الإختلاط بالرجال في غير أوقات العمل و كيف كانت تعمل بجدية كاملة معهم دون أن تترك لأحد ثغرة.

نشتاق إلي هذه النماذج الجادة و الراقية في واقع إسترخصت فيه المرأة الجزائرية نفسها. العمل نعمة في حياة الفرد، شرط أن لا تفقد فيه المرأة مقومات أنوثتها، و هذا للأسف ما وقع للمرأة الجزائرية، كم من مرة أصطدم بسلوك فيه نسبة كبيرة من الإسترجال الممقوت.

 

المشهد الحادي عشر

تعتاد العمل غابريلا مع توماس  سورين و في مرة من المرات، كانت تود إنجاز مشروع مجمع فني مع السلطات الإيطالية، فأول ما فكرت في التعاقد مع توماس. علي إثر ذلك سافرت إلي باريس لتقابله و تعرض عليه الصفقة.

و عندما إستقبلها في مكتبه، سمعته يرد في الهاتف :"سألبي مع خطيبتي دعوتك لي أمي إلي مأدبة الغداء، شكرا لك."
بعد إنهاءه للمكالمة، قام و رحب بها و هي تهم بعرض عليه مشروعها، فإذا به يفاجئها :
-هل بإمكانك ان تساعديني في أمر خارج إطار العمل آنسة ؟
-ما هو ؟ سألته.

-ان تتظاهري أمام والدي بأنك خطيبتي و لفترة وجيزة مدة وجبة الغداء. 
نظرت له مشدوهة، فقد نزل عليها الخبر كالصاعقة.

لم يفكر توماس في العواقب البعيدة لمثل هذا الإقتراح بينما غابريلا وضعت جانبا مشروعها و علاقتها المهنية به و فكرت في مسألة واحدة : الشبهة الخطيرة التي ستلحق بسمعتها من جراء هذا العرض.

هي لم تستوعب أن يخدع والديه في مسألة بالغة الخطورة مثل الزواج، هذا و كانت لديها فكرة و لو متواضعة عن العقدة التي كان يعاني منها توماس ناحية النساء.

عاشت غابريلا لحظات حيرة جد حرجة و كان قد قال لها بأنه يتحتم عليها سريعا حسم أمرها لأن دعوة والدته لليوم نفسه.

هذا و توماس كان يجهل كل شيء عن الحياة الشخصية للشابة الإيطالية، كهل هي مرتبطة أم لا ؟ إنما خبر فيها خصلتين في علاقتهما المهنية المشتركة :

-تحترم الآجال المحددة أي كانت الظروف.

-كل ما يصدر عنه في إطار العمل المشترك بينهما بمثابة أوامر لا ترد و لا تناقش بل تنفذ، فهو إن أمرها بأن ترمي نفسها بالبحر تفعل ذلك دون أدني تردد.

أما هي فقد كانت تعرف شيء واحد عن الحياة الشخصية لتوماس، موقفه المتحفظ جدا ناحية النساء. و ما كان يجهله الشاب الفرنسي أن غابريلا كانت قد تعرضت إلي صدمة الإغتصاب في مراهقتها و بفعل ذلك أصيبت بعقدة تجاه الرجل بشكل عام.

قبل أن ترد بالإيجاب أو النفي طلبت منه أن يشرح لها وضعه، فقد كانت تري من حقها أن تفهم ما الذي كان يجري و لماذا يلجأ توماس إلي الكذب و الخداع مع أقرب الناس إليه : والديه.

رد عليها توماس:

- ستعرفين كل الشيء و أنت ترافقيني إلي بيت والدي، فهما يقيمان خارج باريس و لدينا مسافة ساعة و نصف لنصل.

مرة أخري حشرت في زاوية ضيقة و لم يعجبها ذلك :

- بالمختصر المفيد آنسة فشلت في خطوبتي الأولي و أمي مصرة علي إختيار زوجة لي و قد دعت فتاة و والديها إلي هذه المأدبة و أنا ملزم بالحضور لا مفر، فرضي أمي أغلي بالنسبة لي من أي شيء آخر في هذه الحياة.

فأجابته بصراحتها المعهودة :

-طيب سيدي إن كان الأمر كذلك فتزوج ممن إختارت لك والدتك المحترمة، لماذا الكذب و الخداع ؟

-يستحيل إلا الزواج، لا أفكر علي الإطلاق حاليا في الإرتباط و الإستقرار هذا و...

تلعثم و سكت، فأكملت مكانه غابريلا :

-       هذا و أنت رافض أي علاقة بإمرأة، أليس كذلك سيدي ؟

-       نهض من مقعده، أخذ نقاله و أستدار :

-       -لنذهب آنسة.

 

 

هناك جملة من أروع ما يكون قالها توماس  و هي "رضي أمي أغلي بالنسبة لي من أي شيء آخر في هذه الحياة. " و عنوان الرواية مشتق من هذه الفكرة الجميلة جدا: رضي أمه هو كل شيء لتوماس سورين، من هم الأبناء في زمننا الحالي ممن يفكرون و يضعون نصب أعينهم رضي والدتهم ؟

من منا يحسب ألف حساب لرأي والديه في الزواج ؟ من منا يحرص كل الحرص علي مشاعر والديه ؟ من منا يري أن لا معني لحياته بدون رضي الوالدين ؟

هذا و من منا يفكر في سمعته كما فعلت غابريلا عندما عرض عليها هذا العرض الغريب بأن تتظاهر بأنها خطيبته لمدة قصيرة ؟ من يأبه لسيرته و سمعته ؟ من هو الحريص علي تجنيب نفسه أي شبهة ؟ نحن نعيش في المجتمع الإختلاط فيه علي أشده، أينما نولي وجوهنا نجد المرأة، و أصبح التعاطي الرخيص معها من المسلمات إلا من رحم ربك طبعا.

هذا و قد لقنت الحياة غابريلا درس قاس، إستوعبته جيدا و عملت علي تسييج حياتها و منع أي محاولة إختراق لنمط المعيشة الذي إلتزمت به. من من فتياتنا ستحكم دينها و إيمانها بدون ان تتعرض لبشاعة و وحشية الإغتصاب ؟

 من من فتياتنا في عنفوان شبابها ستقي نفسها شر الزلات و الشبهات و السقوط في مطبات مع الجنس الآخر ؟

قليلات جدا و أما من جهة الذكور، فقد تضامنت مع توماس سورين في كفاحه اليومي، ساعة بساعة في صد تحرش النساء به، لم ينجو لا في العمل و لا في الشارع و لا في أي مكان. فمرة تمسكه إحدي زبوناته من ذراعه محاولة جذبه، فإذا به يجد نفسه يسحب ذراعه بشدة كادت ان تسقطها أرضا و مرة رفض عرض زميلة في تناول كأس جعة خارج مقر العمل و مرة أخري أرادت إحدي النساء الإختلاء به في مكتبها و كان في كل مرة يقاوم المحاولات البائسة، هذا دون ذكر مشاكله مع الرجال اللواطيين الذين ظن بعضهم أنه مثلي. و ناقشت الكاتبة ماري أش مشكلة الكبت الجنسي و بينت علميا بأن لا الرجل و لا المرأة قادرين علي الإمتناع عن ممارسة الجنس فوق مدة أربعة أشهر و كيف أن المحيط الإباحي يدفع دفع الرجل إلي إفراغ شهوته إن كان وحيدا بطلب إلكترونيا عشيقة لليلة و بعدها يمضي كل واحد من جهته.

تذكرت وضعنا البائس في عالم عربي نسبة العنوسة مفزعة و كيف ان الكبت يؤدي لا محالة إلي امراض جنسية اكثر تعقيدا. فقد قالت لي طبيبة نفسانية جزائرية بأن ثلاثة أرباع المراهقين التي تعالجهم يمارسون العادة السرية، أي كارثة هذه ؟ فهل من إعادة النظر في أوضاعنا و هذا علي كل المستويات و خاصة علي المستوي الإجتماعي و كيف نجعل من الزواج نعمة في متناول الجميع دون التعقيدات الحاصلة في أيامنا ؟

المشهد الثاني عشر

في السيارة، و عند خروجهم من باريس قالت غابريلا :
-وضعتني أمام الأمر الواقع و أنا سأفعل ذلك معك أيضا.
-ما معناه ؟
-لم أعتاد الكذب في حياتي الخاصة أو المهنية لهذا سأقول لوالديك المحترمين أنني لست خطيبتك.
لم يعقب، الشاب كان يفكر في ردة فعل أمه التي تفاجئت بإعلانه مجيئه مع خطيبته، و قد قالت له "لم تخبرني سابقا بأنك علي علاقة مع فتاة."
نظر إلي غابريلا ثم عاد ليركز عيناه علي الطريق، كان واثقا من أمر واحد فقط، إنه ذاهب إلي مأدبة غداء سيتقرر فيها مصيره.
المدهش أنه عند وصولهم و بمجرد ما دخلت غابريلا بيت الوالدين، إستقبلها الجميع بحفاوة بالغة و أضطرت الأم للإقرار بأن إختيار إبنها هذه المرة في محله، فبعد ما تعاملت لمدة قصيرة مع غابريلا شعرت بإرتياح شديد لها و أما توماس تفاجأ بسؤال والده علي طاولة الغداء و أمام الضيفة و والديها :
-هل حددت مع غابريلا موعد الزواج ؟
-ليس بعد أبي. رد سريعا توماس.
-ليس هناك خطوبة بعد، أضافت غابريلا فكيف بتحديد موعد الزواج سيدي.
فتبادلا الوالدين مع إبنهما نظرات و عند خروجهم من الطاولة، أخذ الأب إبنه علي إنفراد :
-أفهمني الموقف توماس.
-بكل بساطة لا أريد الزواج من الضبفة آن، أبي.
-إنني أحدثك عن الآنسة غابريلا، ماذا تنتظر لتخطبها ؟
هنا شعر توماس بالمأزق الرهيب الذي وضع نفسه فيه ثم بعد تفكير قصير، قال :
-بابا كيف أخطبها و أنتم لم تتعرفوا عليها بعد ؟
-جيد، من الآن أقول لك أننا مستعدين لإستقبالكم في نهاية أي أسبوع تختارونه.
لم يجب توماس اباه و الذي تركه ليلتحق بالضيوف، توجه توماس إلي المطبخ فإذا بالخدم يرحبون به و يهنأونه علي إختياره الرائع لزوجة المستقبل.
و في طريق العودة، كان يسترجع إبتسامة والدته و هي تودعه مع غابريلا.
الشابة الإيطالية كانت صامتة طوال الطريق، عند وصولهما قال لها :
-متي تريدين الحديث في المشروع ؟
-متي شئت، علي كل حال سأعود إلي إيطاليا ليلة الغد.
-طيب سنلتقي ثانية بعد ساعتين.
و بالفعل درسا معا المشروع و قبل عرضها بالإشراف عليه، بقي التوقيع علي العقد للغد في الصبيحة. مر ذلك اليوم و عند إتمام الصفقة، و لحظة مغادرتها سمعت توماس يقول لها :
-طبقا للعقد سألحق بك في إيطاليا و أقيم هناك لخمسة عشر يوما بعدها سيكون دورك في اللحاق بي هنا.
سألته مندهشة :
-هذا غير منصوص عليه في العقد.
-إنها دعوة والدي لك لإمضاء نهاية أسبوع معهم.
-سيدي لست مستعدة للدخول نفق لن أخرج منه سالمة، فعذرا.
و غادرت.

 

ماذا نستخلص من هذا المشهد ؟

صدقية غابريلا، و كيف أن الشابة كسبت ببساطتها و عفويتها و جمالها الهاديء والدي توماس و كل من تعرفت عليهم في بيت أبيه و حتي الخدم.

وقفنا علي الموقف المستحيل الذي وضع توماس نفسه فيه. و قد اصبح ملزم بالتقدم إلي غابريلا و حينما طلب منها اللحاق به بعد إقامته في إيطاليا لخمسة عشر يوم كما هو منصوص في العقد المهني بينهما، رفضت رفض بات ان تغامر بسمعتها و نفسها.

غابريلا من جهتها أحبت ام توماس و احترمت أباه و أحترمت رغبة توماس في إرضاء والديه بأي ثمن إلا انها كانت إمرأة رزينة، لم تكن علي إستعداد للتنازل باي شكل من الأشكال لرجل أي كانت مواصفاته و أي كانت حسناته. فقد تجرعت المر و لازالت تعاني نفسيا و جسديا من جريمة الإغتصاب و لم يكن بوسعها أن تثق برجل مرة أخري.

هذا و قد أخفت موجة الذعر التي إعترتها حينما ركبت السيارة مع توماس، فطوال السفر ذهابا و إيابا كانت تراقب الرجل عن كثب و بين عينيها خروجها المشؤوم في ذلك المساء المأساوي مع المجرم أدريانو. كانت متضررة نفسيا و جسديا إلي ابعد الحدود و كانت تنتابها من حين إلي آخر نوبات جد قاسية، تفقد فيه أحيانا حتي الوعي.

لهذا لم تكن نفسيا مستعدة لطي صفحة الماضي و بدأ صفحة جديدة، بينما إنتبه توماس و لأول مرة في حياته أن هناك إمرأة واحدة لا تريده. إعتراه شعور بالدهشة الشديدة في البداية ثم غرق في أوحال الحيرة، ما الحل ؟

قراءة 86 مرات آخر تعديل على الأحد, 17 أيلول/سبتمبر 2017 19:31

رأيك في الموضوع

{ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18